ما الـــذي ترغــب تركيـــا بـإخفائـــه؟

ترجمة: ليندا سكوتي جريدة الثورة

في أحد شوارع بلدة كركميش الحدودية، التقيت الشاعر التركي مصطفى غوران وعلى وجهه علائم الغضب، ثم ما لبث أن قال بأعلى صوته: «إني أعارض دخول القوات التركية إلى سورية واجتياح جزء من أراضيها»، ومن ثم أخذ بالتساؤل إن كان ما يجري هو لعبة من الألاعيب التي ينهجها الغرب ولا سيما أن أبناءنا هم من يموتون وأطفال سوريون أبرياء تتناثر أوصالهم أشلاء. وأخبرني لماذا يضطر الكثير من الشعب السوري للسفر إلى أوروبا؟ لماذا يضطرون إلى إذلال أنفسهم؟ علما بأنهم شعب ذو ثراء مالي وثقافي قل وجوده حتى أن البعض يقول بأنه أكثر ثقافة وعلما من الغرب ذاته.

إلا أن الدبابات التركية لم تكترث بكل ما يقال وبدت وكأنها تستهزئ بنا حيث أخذت بالتحرك باتجاه الحدود عابرة الأزقة والشوارع التي أغلقت المحلات التجارية بها ذلك الصراع القائم قاد إلى تراجع في النشاط التجاري التركي.‏

في ظل هذا الواقع أقول لأوروبا: «كما تدين تدان. وسوف تدفعون ثمن ما اقترفتموه في سورية ودول أخرى، إنه خطؤكم! ما جرى ويجري هو خطأ أوروبا!إنه خطأ الغرب برمته ولا ريب سيأتي يوم من الأيام يستلم به قادة حقيقيون زمام السلطة في العالم وعندها يقطعون الغاز والبترول عنك، وستجدين نفسك في القاع مضطرة لحرق الملابس والاحذية لعلك تنالين بعض الدفء ..فقد نسيت.. أو تناسيت يا أوروبا بأننا جميعا بشر.»‏

وقفت مع غورين أمام كشك متواضع يبيع السجائر حيث علقت على جدرانه صور تاريخية لكمال أتاتورك، وفصلتنا بضعة أمتار عن برج المراقبة الهائل والحدود واضحة ورأينا جداراً رمادياً طويلاً هائلاً وبالقرب من بوابته، ثمة وحدة صحية متحركة وسيارات اسعاف متعددة تنتظر هناك وكانت على أهبة الاستعداد للعبور والدخول إلى سورية بادعاء محاربة القوات التركية للإرهابيين. لكن الواقع يؤكد بأنها تعمل على محاربة القوات السورية وأنها أطلقت على تلك العملية اسم «درع الفرات».‏

وقد شرح لنا بولينت بولات وهو تاجر لإحدى المحال في المنطقة قائلا «وصلت داعش إلى المدينة السورية جرابلس عبر حدودنا والآن تخضع تلك المدينة لسيطرة قواتنا العسكرية.» ثم صمت واستطرد القول: «علينا ألا نتدخل في الشأن الداخلي السياسي السوري، وعندها سيتحقق السلام»‏

ينتمي بولات إلى حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض. وكان يعمل على مدى سنوات عدة على الجانبين وهو في الوقت الحاضر يتحسر على تلك الأيام حيث قال: «لتعبئة السوريين ضد حكومتهم حظي مسلحون مناهضون للحكومة السورية بالدعم التركي والغربي حيث ارتدوا الزي العسكري السوري وأطلقوا النار على المدنيين ما أسفر عن مقتل الكثيرين ليُتهم الجيش السوري بفعل ذلك الأمر، وهذا ما يحدث في كافة أنحاء سورية»‏

غادرنا كركميش واتجهنا إلى المقبرة القديمة حيث قمنا بتصوير الجدار والمياه المتدفقة من نهر الفرات وكانت البلدة السورية جرابلس أمامنا، حيث كان السكان يشعرون بالغضب والتوتر وأشار أحد المزارعين قائلا: إن حشد المسلحين بدأ من الأراضي التركية. وكان لزاما على الجيش السوري الدفاع عن بلاده.‏

كنت على علم تام بما كان يقوله. إذ في عام 2012 كنت أعمل في انطاكية واكتشفت بأن ثمة مخيماً للاجئين، لكن الواقع أكد لنا بأنه ليس إلا منشأة لتدريب المسلحين المناهضين لسورية. أما قاعدة انجرليك بالقرب من أضنة فكانت مهمتها تدريب مجموعة أخرى. وفي عام 2013 عدت إلى أنطاكية لتصوير فيلم وثائقي لقناة تيليسور في أميركا الجنوبية. وكان قد تم تحويل المنطقة برمتها إلى منطقة أمنية مما اضطرنا للتوقف والتريث نتيجة ما واجهناه من صعوبات ومخاوف. وحاولنا تقفي أثر المسلحين الذين أصيبوا في سورية ويتم علاجهم في تركيا.‏

من غازي عنتاب حتى كيليس غصت المنطقة باللاجئين. وسرنا عبر قرى مثل اكزيكا التي تتكون من بيوت طينية تخلى عنها أهلها. لكن الخوف كان يلازمنا في كل مكان. وفي قرية كابورسايت بالقرب من كركميش التقينا بلاجئ سوري قال لنا بأنه يعيش مع حيواناته في هذا المكان منذ أربع سنوات. وسألته إن كان سيعود إلى موطنه في حال توقف الحرب، فقال لا أدري. وسألته عن الجهة المسؤولة عن إشعال هذه الحرب فكرر إجابته السابقة بعدم علمه من المسؤول عما يحصل. ويبدو بأن الجميع كان خائفا ويتهرب من الإجابة عن أي تساؤل وسؤال.‏

في إحدى الليالي اصطحبني اصدقائي لدخول مشفى الدكتور ارسين ارسلان في غازي عنتاب وهو المكان الذي يتم به نقل جرحى ما يسمى «الجيش السوري الحر» والمسلحين الآخرين. ودلفت إلى أحد المقاهي المحلية حيث طلبت كوبا من الشاي وأخذت أتجاذب أطراف الحديث مع الموظفين. وفجأة سمعت صوتا عالياً في الخارج يقول: الله أكبر ومن ثم صوت انفجار.‏

أسرع رواد المقهى للاختباء وخرجنا لمعرفة ما يجري وإذ برجل ملتح يتحدث العربية يستند على الجدار وقد أصيب بطلقتين في قدمه، وكانت جراحه بالغة ثم غمغم الرجل بكلمات شتم بها الجهاد والجهاديين.وتعتبر غازي عنتاب مركزا لتجنيد كوادر ما يسمى «الجيش السوري الحر» فحالها حال مدن مثل كليس وانطاكيا. وفي الليل، انتقلت إلى مخبز بالقرب من مسجد في غازي عنتاب، حيث يتم تجنيد وتدريب المسلحين.‏

في ضوء هذا الواقع نجد المعارض كوتاي يركلي يوجه أصابع الاتهام لكل من الغرب وأنقرة بقوله: يعتبر رجب طيب أردوغان أحد المؤسسين لما يسمى «مشروع الشرق الأوسط الكبير». لكونه يحاول تسييس منطقة الشرق الأوسط بأكملها. وحلمه إقامة إمبراطورية عثمانية جديدة. ولا شك بأن للغرب أيادي فيما يحصل في هذا الجزء من العالم، وفي مختلف الأحوال، فإنه من حين إلى آخر نجد أردوغان يحاول اقتناص الفرص كي يستفيد من الوقائع والظروف المتاحة، فالبترول الذي تسرقه داعش من الأراضي السورية يمر عبر تركيا إلى الغرب.‏

عندما كنا متوجهين إلى مطار اضنة، بدت على صديقي ومترجمي علامات الحزن والأسى جراء الأحداث التي مرت بها مدينة حلب ومستوى الدمار الهائل الذي لحق بمواقعها التجارية والأثرية والتاريخية.. فالمدينة ستحتاج إلى عشرات السنين كي تتمكن من العودة إلى ما كانت عليه.‏

قبل الدخول إلى أضنة رأينا الأضواء الساطعة من قاعدة أنجرليك حيث تعد هذه القاعدة موقعا لمناورات الناتو في هذا الجزء ولا يستطيع المرء عبورها دون تفتيش دقيق مع التحقيق إن لزم الأمر.‏

وكان الجنوب الشرقي من تركيا يعيش بحالة من الخوف. فعندما سافرنا في الباكر إلى بلدة حدودية تدعى البيلي رأينا جدراناً جديدة واسواراً وكاميرات أمنية ذات تقنية عالية، ذلك لأنه من هنا سيغزو الجيش التركي الأراضي السورية. وقد تذرعت بقص شعري بغية الالتقاء مع السكان المحليين والحديث معهم والحصول على ما أرغبه من معلومات. وبعد دقائق همس الحلاق في أذني: «إنهم يحاصرونك. فالشرطة وكوادر الأمن يرتدون ملابس مدنية» وقد وجدتهم ينظرون إلينا عبر النافذة ويدونون ما يجري الأمر الذي دفعنا للخروج من البلدة على وجه السرعة.‏

بتقديرنا نعتقد بأن السر الحقيقي الذي تود إخفاءه هو أن الكثير من مواطنيها يعارضون الحرب. إذ ليس السوريون وحدهم يتعرضون لسفك الدماء بل الأتراك أنفسهم وقعوا في ذات الشرك.‏

 

آخر الأخبار