التجربة في ظل الوهن العربي

لم تكن محاولات المرور على تجربة آذار خالية من شوائب الأحكام المسبقة، وهي تحاول تجريدها من سياقها التاريخي، باعتباره الحامل الموضوعي لأي تجربة ولا يمكن تجاوزه تحت أي مسمى،

خصوصاً في ظل وهن عربي تجاوزت إرهاصاته بمراحل ما كان يواجهه في ذلك الظرف، وتفوق على ما عداه في معاكسته لواقع ظلّ حتى اللحظة يمثل طموحاً مشروعاً وإن شابته الكثير من الجروح العميقة بأبعاد ومعايير مختلفة.‏

فالتجربة بحد ذاتها كانت وستبقى موضع مراجعة وتقييم سواء كانت في شقها الذاتي أم الموضوعي، وستحظى على الدوام بصيغ متفاوتة من التناول سواء كانت خارجة من رحم التجربة أم انبرت لها من خارج سياقها الزمني، وحملتها جملة من الكوارث التي ألمت بالوضع العربي، وهو ما يعطي أبعاداً تتجاوز المنحى التجريبي في استعراض ما يجري على أنه حصيلة واقعية لنتاج تجربة البعث ذاته، سواء امتزج ذلك بالحالة الفوضوية العامة لمختلف تجارب المنطقة أم حاول أن ينحى جانباً بالتبعات الناتجة عنها، بدليل أن الكثير منها عرّج على المسألة من باب التراكم الزمني الذي عمّ مختلف ظروف ومعطيات الواقع العربي.‏

قد تكون حالة الخلط في المسؤولية الملقاة على عاتق التجربة وتحميلها تبعات ما تمر بها الأمة لها ما يبررها في سياق التعبير عن الإحباط، أو لتسويغ مقولات باتت تلامس حالة أشعرت الأمة بغربتها، وحاولت أن تنال من انتمائها ووجودها، وأبرزت على سطح تموجاتها حالة عدائية ومشاهد انتقامية كادت تخفي الأسباب والعوامل الموضوعية الناتجة عن تموضع حاد للمشكلات بشكل عمودي دفع بها إلى الواجهة على أنها تراكم مزمن لمشكلات يصعب حلها أو على الأقل فشل في حلها.‏

لن ندخل في جدلية العلاقة والدور، خصوصاً فيما يتعلق بتجربة آذار، وتالياً تجربة حزب البعث ذاته، لكن لا بد من التعريج قليلاً على مفاهيم طغت في العقود الأخيرة حول دور الأحزاب على المستوى الوطني وعلى النطاق العالمي، حيث استثمرت السياسة الغربية في الاحتكارات لتكون بديلاً عنها، وربما حائط سد مسبقاً يحول دون بقائها تحت رحمة الإيديولوجيا، فيما كانت المنطقة العربية في عموميتها تواجه قحطاً سياسياً أضافت عليه التوجهات الغربية المزيد من الغرائبية المحاطة بأحجيات يصعب على العقل أن يفك ألغازها من دون العودة إلى الدور الوظيفي المنوط بالطرفين، وحالة التعارض الكلي التي استدعت حروباً بالجملة منها البحث عن مبررات الاجتثاث، وإن بقيت رهينة تجربة لا تزال تجترّ فيها المنظومة الغربية وأرتالها المحتشدة على هوامشها في المنطقة.‏

على ضوء ذلك ندرك أن المنطقة بكانتوناتها القائمة وصلت إلى مرحلة الكهولة المبكرة، وبعضها على الأقل بدأ يدخل مرحلة الانحلال الذاتي بفعل غياب المبررات الوظيفية لوجوده، وهنا يأخذ تعميم الحالة جزءاً من مسار التجارب المتعلقة بمفهوم الأحزاب في المنطقة وخارجها، حيث الجدل يعود إلى المربع الأول، وقد أثبتت ست سنوات عجاف أن الحالة الحزبية عبرت عن تماسك لم يكن متوافراً، ولا يمكن أن يتوافر في بعده الوطني من دون تلك الأحزاب، وهذا ليس رداً ولا هو محاولة لتكييس الواقع، لكن يمكن القياس عليها وتتبع منحنى الحضور والتماسك، وبالتالي المقدرة على المجابهة التي ستعود في نهاية المطاف إلى جذرها الأول.‏

وبالتالي لم تكن المعضلة في شيخوخة أو من عدمها، بقدر ما هي بظرف تاريخي حاول أن يفرض سطوته وأحكامه، وحتى استنتاجاته، والبناء عليه لا يمكن أن يأخذ المسار ذاته، ولعلّ التجربة التي أملتها السنوات الست الماضية تضع الأوراق كاملة في كفة الحاجة إلى دور الأحزاب كعامل نهوض وطني، وربما كانت في مرحلة من المراحل الضامن الوطني بامتياز، وإن كان بالضرورة يقتضي المراجعة للاستفادة من تجربة تصح فيها عمليات المعايرة السياسية كما تجوز معها المطالبة في ظل ظرف وطني مؤهل ومنفتح على الحديث.‏

الوهن العربي له أذرع عدوى لم تعد تخفي نفسها، والخوف المبالغ فيه من التجارب الحزبية قد يكون مقدمة لفهم أسباب وخلفيات ذلك الوهن، وأسباب ما تواجهه الأمة، وهذا يدفع إلى الجزم بأن المراجعة النقدية ضرورة قسرية، والمراجعة التنظيمية والفكرية والإيديولوجية ضرورة ذاتية وموضوعية، وسيكون من الظلم الحديث في أي مقارنة من دون الأخذ بالظرف التاريخي الذي يحكم في كثير من الأحيان على مآل التجربة، لكنه أيضاً لا يمكن اعتباره منصة لتبرير الكثير مما يطفو على السطح، خصوصاً حين يكون الحديث ممتداً على مدى أربعة وخمسين عاماً كتجربة تحتاج بالتأكيد إلى وقفة تأمل وتمعن، باعتبارها حاجة وطنية مباشرة وسياقاً قومياً لخروج آمن من حالة الوهن والضعف والترهل.‏

 

آخر الأخبار