ما بعد الاسبيرين؟!

د. نهلة عيسى
منذ قليل تناولت الكبسولة السابعة من الاسبيرين ليومي التعيس الحزين، تراني أنتحر؟.. حتماً وقطعاً لا، أنا فقط أحاول النزول عن حبل الأنين بأي ثمن، أنا فقط أحاول الهروب من الطنين، وعلى فمي سؤال مرّ، أيها الرب: لماذا وضعت في الرأس كل الوجع، إن كنت تريد للعقل، لا لعصا الخيزران أن ينهانا عن الزلل؟!.
رأسي ساحة حرب، مثل الوطن، تمرّ على عيوني نشرات الأخبار، فيصبح الألم كأسياخ الحديد تتوهج في النار، لتليها الأحرف والكلمات، فيتهاوى العقل من عثرة إلى عثرة، فأطبق عينيّ وأصرخ أيها الرب: كل من يتلون خطاباتهم أمامي يبدون، وأنت الأعلم، على حق، أيها الرب: ما دمنا جميعاً على حق، فأين الحقيقة؟!.
كبسولة الاسبيرين السابعة، والوجع في رأسي مقيم، مضنى لا يسير، والأسى يلاحق الصدى: جيشنا يتقدّم على كل الجبهات، تركيا تقصف جيشنا، روسيا تستنكر، نتنياهو في روسيا، ومزيد من المستوطنات في القدس والضفة الغربية، والدائرة جهنمية، وأخبار بعد أخبار، لا تتخلّف، ولا تتوقف، ولا ترحم، ورأسي يبحث عن وسادة يرتشف منها النسيان، نسيان أنّ ما بدأ قبل مئة عام، ما زال يتكرر كل عام؟!.
كبسولة الاسبيرين ما بعد السابعة، ورأسي ما زال متجهماً، والصور، والأخبار طواحين هراء الهراء، وجدار فاصل بيني وبين الأمل، وكلما فرّت الذاكرة إلى صور من أحب، ارتسمت صورة العدو في الركن القصيّ، فيبدأ القلب، واهن الساقين بالنحيب، ساحباً العقل منديلاً يمسح به دموع العين، طلاء الشفتين، وتلك المسوح المريمية، والملامح المزيفة عن وجوه معتلي منصات الأخبار، يحلّلون، ويدّعون: أنهم على وطني يتوجعون! فتصيبني البلاهة بالهذيان، فأنادي الرب: إن كان كل هؤلاء على وطني باكين، خائفين، فمن فينا العدو، ومن فينا قابيل، ومن هابيل القتيل؟ سامحني أيها العالي في سابع سماء على السؤال: لأني نسيت لوهلة، أننا جميعاً سلالة قابيل؟!.
كبسولة الاسبيرين ما بعد السابعة، وأنا أبدو تحت تأثير صحو مشلول القدمين، كالبومة أنعق، رغم أني أؤمن أن البومة ليست نذير خراب، بل مجرد زرقاء يمامة في بحر من العميان مدّعي “البصبصة”، وناقلة أخبار، صدقها بؤسها، وسط من يغافلون الصدق بالخناجر المسمومة، لكي لا يرفعوا الرأس من وحل تجاهل، أننا كما قال “دنقل”: وضعنا الجواهر بدل العيون، فأصبحنا لا نرى، ونُشترى”؟!.
كبسولة الاسبيرين ما بعد، بعد السابعة، وفي رأسي طنين، وأصوات تخاطبني، تحاورني، صوتها يشبه صوتي، بل ربما هو صوتي، لكني لا أعرف، وأجزم رغم ذلك، أني لست للأسف مجنونة، فللجنون آذان وقلب، ووجعي أصمّ بلا قلب، أيها الرب: قابلتُ وقَبلتُ كل الضفادع في الدنيا، بحثاً عن أمير، ولم أجد أميري، فهل هناك عالم غير هذا العالم، أو حياة بعد هذه الحياة، ستبعث فيها أميراً لي حياً؟ أرجوك أيها العالي في سابع سما: أرجوك ابعثه هنا في الوطن، لأني قبل كل وجع، وبعد الكبسولة السابعة، وما بعد.. بعد السابعة، وبعد أن ينتهي أو لا ينتهي الوجع، لن أغادر الوطن.

آخر الأخبار