الوفــد السوري مرفوع الرأس في «جنيف4»: شرق سورية على موعد قريب مع التحرير

لا يخالجنا أدنى شك في أن «جنيف4» لن يكون المحطة التي ينجم عنها اتفاق لحلِّ الأزمة في سورية، في ضوء تمسك فصائل الإرهاب بالمواقف ذاتها المدعومة أمريكياً وإقليمياً.
فهذه الفصائل وإن سلّمت مرحلياً بالمتغيرات من جراء الهزيمة القاسية التي تلقتها بعد تحرير حلب من الإرهابيين، وباتت مضطرة للجلوس ذليلة في «جنيف4» متجاوزة تكتيك المماطلة والحرد، ومضطرة لكيل المديح للدور الروسي لعل وعسى يعطي الأولوية لموضوع الانتقال السياسي- ضمن مفهومها لهذا الانتقال – إلا أنها لا تزال تراهن على متغيرات تعيد الاعتبار لمطالبها،
ومن هذه المتغيرات الآتي:
1- استمرار الدعم الأمريكي الرجعي لها عسكرياً، وكذلك سياسياً، وفي الذاكرة القريبة لجوء بريطانيا وفرنسا وبدعم من الولايات المتحدة- وأثناء انعقاد الجولة الأولى من «جنيف4»- إلى تقديم مشروع قرار بفرض عقوبات على مسؤولين سوريين بذريعة استخدام أسلحة كيماوية، قوبل بـ «فيتو» مزدوج من قبل كل من روسيا والصين.
2- على الرغم من عدم مشاركة الولايات المتحدة في «جنيف4» إلا أنها قامت بإرسال 1000 جندي من قوات المارينز وبنصب بطاريات مدفعية في محيط مدينة الرقة، وبدعم قوات «سورية الديمقراطية»- الاسم الحركي لوحدات حماية الشعب الكردية – من خلال إنزال كميات هائلة من الأسلحة والذخائر لها في مطار الرميلان الذي وضعته القوات الكردية تحت تصرف الأمريكان، من أجل السيطرة على الرقة وطرد الدواعش منها.
جولة «جنيف4» الأولى التي استمرت ثمانية أيام كانت في محصلتها شكلاً ومضموناً لمصلحة سورية العروبة وقيادتها، من زاوية أن الوفد المفاوض برئاسة د. بشار الجعفري تمكن، استناداً للمعطيات العسكرية على الأرض ولثوابت الدولة السورية، من أن يفرض بند أولوية مكافحة الإرهاب كسلة رئيسة من السلال التي تمّ التوافق عليها في جدول الأعمال، والتي تشمل أيضاَ الحكم والدستور والانتخابات.
ولم تقف الأمور عند تثبيت مسألة مكافحة الإرهاب كأولوية، بل فرض الوفد السوري عملياً على وفد المعارضة المزعومة – وفد مؤتمر الرياض – إصدار تصريح يدين فيه الهجومين الانتحاريين اللذين شنهما تنظيم جبهة النصرة على مركزين للأمن السوري في مدينة حماة.
ومن زاوية أخرى فإن وفد الرياض المزعوم، لم يعد الممثل الشرعي الوحيد للمعارضة المأجورة ،بل تحول إلى مجرد منصة إلى جانب منصتي المعارضة في كل من موسكو والقاهرة، اللتين تمتلكان رؤية مغايرة لمنهج معارضة الرياض المزعومة .
يزعم البعض أن الوفد السوري قدم تنازلات في مباحثات «جنيف4» من زاوية أنه وافق على إدراج بند «سلة الحكم- الحكومة» في جدول الأعمال، لكن يتناسى هذا البعض أن لكل طرف تفسيره لموضوع «الحكم- الحكومة»، فإذا كانت معارضة الرياض المزعومة تفسره «بتشكيل هيئة حكم انتقالية» بديلاً لقيادة الحكم العروبي القائم، فلا يكون للرئيس الدكتور بشار الأسد مكان فيه، فإن وفد الجمهورية العربية السورية يرى أن أقصى ما يمكن تقديمه في مسألة الحكم، هو تشكيل حكومة وطنية موسعة، ارتباطاً بما تم التوافق عليه في فيينا 2015 بمرجعية الرئيس الأسد وضمن كامل صلاحياته، وذلك استناداً إلى مسألتين هما:
المسألة الأولى: تتمثل في ميزان القوى على الأرض، المائل بشكل كبير جداً لمصلحة الجيش العربي السوري وحلفائه، خاصةً بعد تحرير مدينتي حلب وتدمر وتحرير عشرات القرى في شرق حلب من تنظيم «داعش» الإرهابي، وصولاً إلى بلدة الخفسة ومطار كشيش العسكري، وإلى الضفة الشرقية لنهر الفرات وبحيرة الأسد، وتمكن الجيش العربي السوري من وقف تقدم الجيش التركي وأداته الإرهابية «درع الفرات»، باتجاه مدينة منبج والحؤول دون تمدده نحو الشرق باتجاه الرقة.
المسألة الثانية أن الحكم العروبي في سورية، بات يمتلك حاضنة شعبية واسعة في طول البلاد وعرضها، بعد أن اكتشفت الفئة التي جرى تضليلها في مطلع الأزمة في سورية عام 2011، حقيقة هؤلاء الإرهابيين ومرجعياتهم الغربية والنفطية والتركية والعلاقات الوثيقة التي تربطهم بالكيان الصهيوني.
وهذه الحاضنة باتت تؤرق المعارضة المزعومة، في حال حصول انتخابات رئاسية لأن إجراءها بات واضحاً وضوح الشمس، بأنها ستكون لمصلحة الرئيس الأسد، وهذا ما أكدته القيادة الروسية غير مرة وفي أكثر من مناسبة.
وأخيراً نشير إلى أنه عشية، أو غداة، انعقاد الجولة الثانية من «جنيف4» المقرر عقدها في الثالث والعشرين من شهر شباط الجاري سنشهد سباق المسافات القصيرة والطويلة نحو مدينة الرقة، إذ إن حسم هذا السباق سينعكس على معادلات التسوية.
فالنظام التركي يسعى جاهداً لأن يكون له دور في معركة الرقة بهدف إقامة المنطقة العازلة في شمال سورية، في إطار الطموحات العثمانية الاستعمارية، لكنه يواجه الصدَّ من الجيش العربي السوري، والخط الأحمر الذي رسمته موسكو للجيش التركي وأدواته الإرهابية.
والإدارة الأمريكية التي تنحاز لحليفها الكردي على حساب تركيا، تستهدف من السيطرة على الرقة تحقيق مسألتين هما:
1-السيطرة على الحدود السورية- العراقية، لمنع التواصل العسكري بين سورية من جهة والعراق وإيران من جهة أخرى.
2- تسهيل مهمة الداعين لإقامة فيدرالية «حكم ذاتي للأكراد» لأن إقامة هذه الفيدرالية – وفق المخطط الأمريكي – تصب في مشروع تقسيم سورية لمصلحة مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الجديد.
لقد بتنا مطمئنين إلى أن الجيش العربي السوري والقوات الرديفة، وبدعم من الحلفاء الروس، الذي حرر خلال أقل من شهر واحد 120 بلدة سورية شمال وشرق حلب من سيطرة «داعش»، وبمساحة تصل إلى حوالي 1000 كيلو مربع، وسيطر على منطقة غرب منبج، وبات على مسافة سبع كيلومترات من بلدة دير حافر القريبة من مدينة الرقة قادر على قلب الطاولة على المخططات الصهيو-أمريكية والتركية في شمال وشرق وعموم سورية.

آخر الأخبار