الإرهاب في الاستراتيجية الأميركية..!!

علي قاسم: الثورة

لا تبدو التسريبات الأولية عن الاستراتيجية الأميركية في عهد ترامب كافية للإحاطة بكل ما فيها من عناوين، أو للحكم على خلاصات واستنتاجات يمكن الركون إليها لقراءة خطوطها العريضة، خصوصاً أن ما برز في الإجراءات العملية حتى اللحظة لا يشي بأن هناك وضوحاً بقدر ما يجزم بضبابية الموقف،

وانزياح مباشر نحو الإبقاء على الغموض وتوظيفه ليكون على مقاس «الحسبة» الأميركية، ووفق احتياجات ألاعيب سياستها بازدواجية تعاطيها.‏

وبطبيعة الحال لا يغيب عن الذهن أن تلك الضبابية بدت أنها الجزء الوحيد المحسوم في تلك الاستراتيجية، التي تعوّل عليها من أجل إشغال الوقت ريثما تتبلور تحالفاتها الجديدة، أو تعيد النفخ في السابقة منها، وهو ما يتقاطع أيضاً مع التسريبات غير المحسومة حول الاستراتيجية الأميركية التي ستسلك طريقها، في وقت لا تخفي فيه الاوساط القريبة من الإدارة الأميركية مخاوفها من التأخير الحاصل، واحتمال أن يراكم من حجم التحديات في ظل هامش بدأ يضيق أمام إدارة ترامب، من دون أن ينسوا الغمز من قناة خياراته الداخلية التي تسقط تباعاً، وآخرها نظام الضمان الصحي الذي سحبه قبل التصويت عليه بفارق قليل من الدقائق.‏

وحتى تخرج إدارة الرئيس ترامب من تلك الضبابية ثمة معطيات على الأرض تسبق القرار النهائي حول خياراتها، وجميعها تكاد تجزم بأن التصعيد الإرهابي الأخير لم يكن محض مصادفة، ولا هو خارج المعادلات التي تريد أميركا أن ترتكز عليها في سياستها حيال المنطقة، ومن منظور يبدو أقرب إلى التجريب أو الاختبار لسلسلة من الخطوات التي ستكون بمثابة توطئة تقاس بالنتائج الفعلية لها.‏

والفارق الحقيقي أن الإدارة الأميركية وبحكم ضغط بعض الرؤوس الحامية القادمة من عصور لا تأخذ بآخر التطورات ولا تبني عليها، تستعجل قراءة بعض الشواهد وتحاول أن تجترّ من المربع ذاته الذي كانت تقف فيه إدارة الرئيس أوباما، مع تعديلات شكلية أكثر تطرفاً، وفي أغلبها ذات طابع مجتزأ ومفكك يراكم من التحديات ويدفع إلى خلاصات متسرعة، لا يمكن أن تخدم أي استراتيجية، بقدر ما تخلق عقبات كانت في غنى عنها، وتحديداً فيما يتعلق بإعادة تدوير استخدام التنظيمات الإرهابية أو ما يشابهها في السياق ذاته، رغم الحصيلة المريرة التي توصلت إليها إدارة أوباما في تجربة امتدت على مدى ست سنوات ومن دون طائل.‏

عند هذه النقطة تبدو الاستراتيجية الأميركية في أزمة حقيقية تتشابه فيها مع ما سبقها، بل أكثر تعقيداً بحكم أن محاولة جمع الصيف والشتاء تحت سقف واحد لا تنفع بعد مواقف ارتجالية يتناوب عليها أركان إدارة الرئيس ترامب، وتفقدها إلى حد بعيد جدوى المراهنة عليها، وتحديداً ما يتعلق بعودة الرهان على الدول المشغلة للإرهاب، وأن الاعتماد على إسرائيل كجزء ضامن لاستراتيجيتها رغم المتغيرات يجعل من الاستحالة بمكان الوثوق بأي اتجاه تقدم عليه، خصوصاً أن المحاولة الإسرائيلية لتغيير هوية الصراع وأطرافه ومحاوره لا تخفى على أحد، بل إن إسرائيل وعلاقتها بالتنظيمات الإرهابية تشكل أحد أخطر العوامل التي تهدد أي استراتيجية قادمة مهما تكن النيات فيها جادة أو طيبة، وإن كان من الصعب أن يتخيل أحد أنه يمكن للجدية أن تتوافر في السياسة الأميركية على ضوء ما برز حتى اللحظة.‏

ويضاف إليها ما يتم تناقله من محاولات يائسة لتدوير زوايا المواجهة، بحيث تكون إدارة السياسة الأميركية للفوضى القائمة في المنطقة قد اعتمدت في محدداتها على إعادة استخدام التنظيمات الإرهابية بشكل أكثر التصاقاً من السابق، وأن الاستطالات التي برزت باتجاهات تتعارض في الشكل مع التوجهات الأميركية يمكن تجاوزها أو الحد منها، بحكم التحول الوظيفي في آلية الاستخدام من بيادق في حروب الوكالة إلى أذرع في حروب الأصالة، التي تشير بعض الوقائع إلى اعتمادها أميركياً من خلال الضغط ليكون الانخراط الأميركي المباشر أكثر علانية من العهد السابق.‏

ويبقى الأخطر من هذا وذاك أن الغموض والضبابية ليسا حكراً على الاستراتيجية الأميركية حيال المنطقة فقط، بل تكاد تنسحب على مجمل خياراتها تجاه الوضع العالمي، ما يراكم من حجم الارتباك في التعاطي مع السياسة الأميركية، وخصوصاً من قبل حلفائها وشركائها المشغلين للإرهابيين، الذين عادوا إلى سياسة بيع الوهم لمرتزقتهم والمتاجرة بهذا الوهم لرفع منسوب إرهابهم، وهذا ما يؤكده الميدان بشكل قاطع، لتكون الضحية المباشرة له جنيف كما كان الحال في آستنة، ولا سيما بعد أن صرّح علناً بعض المشاركين في جنيف بدعمهم المباشر للتصعيد الإرهابي الأخير في دمشق وريف حماة وسائر المناطق الأخرى، وجزء منهم كان يفاخر بمشاركته المباشرة فيه ..!!‏

على الضفة المقابلة ترتسم القناعة بشكلها الكلي أن الاستراتيجية الأميركية سواء خرجت إلى العلن، أم حافظت على ضبابيتها وغموضها حتى إشعار آخر، تتعكز في الكثير من معطياتها وتفاصيلها على عامل التوظيف الإرهابي، وأن الاختلاف ليس على وجود ذلك الإرهاب وجواز التعاون معه أو التحالف مع مشغليه، وإنما على طريقة توظيفه ومشاهد استخدامه، وعناوين التعاطي معه.. السرية منها والعلنية، ليبقى عكازة تصلح في بعض الأحيان للتغطية على عرج السياسة الأميركية أو لإخفاء عيوبها المتراكمة، وما عدا ذلك ليس أكثر من فروق شكلية في مساحة النفاق وما يفيض منه..!!‏

آخر الأخبار