إعادة الاعتبار إلى الاجتماع الحزبي

عبد اللطيف عمران :جريدة البعث

على الرغم من أهميّة الاجتماع في تطوير العمل الحزبي، وتوطيد حضور الحزب في المجتمع والدولة، خاصّة في زمن الانفجار المعرفي، وثورة المعلومات والاتصالات، وتعدد ضغوط وسائل التواصل الاجتماعي، بما يجعل من هذا الاجتماع عاصماً للرفيق، وللمؤسسة الحزبية والحكومية من الإرباك الذي يثيره تدفق المعلومات..
فعلى الرغم من هذا، فإنّ ما ورد في النظام الداخلي لحزبنا لا يشفي غليل من يعقد الآمال على أهميّة الاجتماع الحزبي في تعزيز وحدة الحزب التنظيمية والفكرية، وما ورد في هذا النظام هو تحديداً في الفصل الثامن: المواد من 51-61 تحت عنوان “نظام جلسات المؤتمرات والاجتماعات الحزبية”، وهي مواد تتعلق بالجانب الإجرائي، أي التنظيمي المحض دون الإشارة إلى الجانب الفكري أو المجتمعي.
وعلى أيّة حال فمفهوم الاجتماع الحزبي لايزال إشكالياً في النظام الداخلي السابق، وكذلك في النظام الذي أقرّه المؤتمر القومي 13 للحزب، ففيهما خلط بين اجتماع خلايا الأنصار، والفرقة العاملة، والمؤتمرات السنوية للمؤسسات الحزبية… إلخ.
وقد يرى بعض رفاقنا أن «بعض المنطلقات النظرية» وأدبيات الحزب وتعاميم قيادته هي المعادل الموضوعي لغياب الجانب العقائدي في الفصل الثامن، لكن حقيقةً هذا لايكفي، ولا ضير كبيراً فيه، فنظرية الحزب متكاملة، ولم تنبثق كاملة، ما يعني أن العمل الحزبي لم يكن يوماً ما جامداً، بل هو مقترن بالحيوية وبالمبادرة، وغير منغلق أمام الاجتهاد، ومفهوم «المقدّس» الذي ورد مكرراً في الدستور لم يبق مقدّساً لضرورات استدعاها مفهوم التطور والتقدم.
هذا العام لاحظنا من خلال الاطلاع على بعض ما دار في المؤتمرات السنويّة للمؤسسات الحزبيّة طروحات عديدة وجريئة من هذا القبيل، فيها أخبار غنيّة ومتنوّعة، قسم منها أسهب في التغنّي بالماضي «وفي هذا إشارة إلى أن أغلب الحضور ليس من الجيل الطالع»، فعلى سبيل المثال تضمنت إحدى المداخلات تذكيراً بالإقبال على حضور الاجتماعات الحزبية في الماضي، وتضمّنت مداخلة أخرى شكوى من الإعراض الراهن عن الحضور… ودار سجال حول صلة المسألة بقدرة أمناء خلايا الأنصار، والفرق العاملة على تقديم الجديد في عصر الفضائيات وغزارة نتاج وسائل التواصل الاجتماعي. وكان هناك ردود منها أن غزارة النتاج هذه تتطلّب الاجتماع الجاد لأن هذه الغزارة قد تصدع بالوحدة التنظيميّة والفكريّة.
من جانب آخر تضمّنت بعض المداخلات إشادة بإجراء تثبيت العضوية في الحزب إلى حد اعتبار هذا الإجراء ردّاً على المنعكسات السلبية للتنسيب الكمّي، هذه المنعكسات التي كانت لحديث القائد المؤسس الرفيق حافظ الأسد فيها رأي مهم جداً في ختام أعمال المؤتمر القطري السابع للحزب.
وفي هذا الجانب ظهرت بعض الآراء التي رأت فائدة في تقليص فائض العدد على التنظيم وعلى الفكر وعلى الممارسة، إذ لا ضرر أبداً في أن يطهّر الحزب نفسه ولاسيما خلال “الحرب على سورية” وعلى المشروع القومي العربي، إذ اتضح أهمية قلّة العدد على صعيد الفعل والتماسك، إشارةً إلى مرحلة «النضال السلبي»: قبل وصول الحزب إلى السلطة في سورية والعراق، مقابل منعكس الكثرة على الترهّل حتى أن بعض الرفاق كان يلمّح إلى أن إنجازات الحزب في المجتمع والدولة تتناسب طرداً مع قلّة العدد.
وعلى العموم فقد انطلقت طروحات المؤتمرات السنوية لهذا العام من إدراك جماهير شعبنا وحزبنا في كل القطاعات الشعبية والمهنية والمجتمعية أن رفاقنا متواجدون في كل مفاصل الحياة، وفي كل بقعة من أرض الوطن، وأن الحزب لايزال القوّة الظاهرة أحياناً والطاقة الكامنة أحياناً أخرى في المجتمع، وفي المؤسسات، وفوق هذا في الجيش العقائدي، وفي دحر التطرّف والتكفير والإرهاب، وفي العمل على عودة الوحدة الوطنية والعيش المشترك، وتعزيز المصالحات المحلية… إلخ.
كما تضمّنت مداخلات أخرى أفكاراً عن صلة نظرية الأطوار الثلاثة بمنطلقات الحزب النظرية والفكرية، ومايتصل بالحديث عن شيخوخة الفكر في معطيات عالم مابعد الحداثة، وقد صدر الرفاق في هذه الطروحات عن التزام وروح موضوعية في النقد والنقد الذاتي، وعن إدراك لقيمة المراجعة النقدية التي طالما كررت قيادة الحزب في سبيل تفعيلها مصطلح أن «لا خطوط حمراء» في سبيل توطيد حضور الحزب في المجتمع والدولة، وفي هذا السياق استذكر الرفاق قيمة ماقدمه الرفيق القائد بشار الأسد الأمين القطري للحزب منذ كلمته حول ديناميكية التعامل مع أهداف الحزب الثلاثة في الجلسة الختامية لأعمال المؤتمر القطري التاسع، وصولاً إلى لقاءات سيادته خاصة خلال الأزمة مع وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية.
إن إعادة الاعتبار إلى الاجتماع الحزبي في أي مستوى من مستوياته ضرورة قصوى اليوم لمواجهة «الحرب على سورية» في زمن الجيل الرابع من حروب التنكولوجيا الحديثة 4GW التي تستهدف العقول مقدمةً لاستهداف المنشآت العسكرية والمدنية، هذه الحروب التي أسهم برنار لويس سابقاً وبرنار ليفي اليوم في خططها لتفكيك الوطن العربي عن طريق استهداف مناطق في خلفيّة الدولة وخارج نطاق المدن الكبرى لإقامة تواجد منعزل عن الدولة كالمستعمرات – سيناء، دير الزور، الأنبار- وصولاً فيما بعد إلى العواصم.
في هذه الظروف ينبغي دراسة أثر الأزمات في تطوّر بنية الأحزاب السياسية واستراتيجيتها، والاهتمام بدور المؤسسات السياسية «الأحزاب والمنظمات والنقابات» في تحقيق الاستقرار والسلم الأهلي والاجتماعي وصولاً إلى الوحدة الوطنية، فأدبيات التنمية السياسية مرتبطة بأدبيات التنمية الاجتماعية، ولابد من بناء المجتمع المسيّس الذي يدمج الجماهير في الحياة الوطنية العامة، لمواجهة التخلّف الاجتماعي، و”التخلّف السياسي” في عصر تغيب فيه فكرة التقدم في نسقيها الاشتراكي والبرجوازي، عصر ومنطقة يغيب فيهما الاتفاق العام على هوية المجتمع والدولة بسبب غياب العقلانية في اتخاذ القرار عند حكومات الدول الكبرى.
ولا شك في أن كوادر حزب البعث بحكم خبرتها وتجربتها وعقائديتها قادرة على التعامل مع منعكسات هذه الظروف، وعلى إعادة الاعتبار إلى الاجتماع الحزبي ونحن مقبلون على الاحتفاء بالذكرى السبعين لميلاد البعث.

آخر الأخبار