الإعلام وأجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة الأمريكية

 

 

يندرج خروج رئيس الولايات المتحدة عن الأعراف الدبلوماسية ضمن سياق انكشاف حقيقة النخبة السياسية التي تتحكم بأقوى بلد في العالم، فتحت قشرة التهذيب واللياقة الواهية تكمن حقيقة شخصية الممسكين بمراكز القرار؛ إنها شخصية راعي البقر الذي لا يلتزم بآداب السلوك، ويعتبر مسدسه صنو لسانه: فم جاهز للشتائم ومسدس مهيأ لإطلاق الرصاص؛ ففي تدريبات الرمي الفردي، يتعلم الجندي في قوات الولايات المتحدة مبدأً بسيطاً: أطلق النار ومن ثم صوب سلاحك.. غزارة النيران تمنحه إمكانية التفوق. لقد خاض دونالد ترامب حملته الانتخابية تحت شعارات شعبوية داعبت مشاعر فئات لم تكن، في العادة، تعير أي اهتمام لموضوع التنافس على منصب الرئاسة؛ طرح نفسه بوصفه المرشح الذي سيعيد الألق لتفوق الولايات المتحدة، ودعا إلى تقليص سيطرة أجهزة الدولة التي حملها مسؤولية تراجع دور بلاده. لكن الدولة العميقة كانت تعرف أن ترامب الرئيس سيختلف عن ترامب المرشح، ومع بدء معارك التعيينات تبين عجز الرئيس عن الخروج عن قواعد اللعبة المرسومة في الغرف السرية: بادر إلى التخلي عن شعاراته الانتخابية، وتبنى برنامج منافسته مرشحة الحزب الديمقراطي، وجاءت قضية خان شيخون لتمنحه ما ظنه فرصة لتسويق زعامته، لكن رصد ردود الأفعال التي تلت الضربة الصاروخية بين أن النتائج جاءت على عكس ما تمنى، وصار من الواضح أن على رئيس الولايات المتحدة الالتزام بالخطوط الحمراء التي تحددها الدولة العميقة.

حاول الإعلام تشويه وقائع ما حدث في خان شيخون، وتبارى المحللون في تكرار سرديات ذات مضمون واحد لا يقبل أي تشكيك. وعند التعمق في التحليل، نجد أن مضمون الرسائل الإعلامية وتصريحات الشخصيات السياسية كان شديد التطابق، الأمر الذي يؤكد حقيقة أن الإعلام المنضبط هو من سمات الدول المتطورة تقنياً.

تحول الإعلام، منذ بداية القرن المنصرم، إلى أداة شديدة الفعالية، وصار من أهم الوسائل التي تستخدمها الدول في ضبط المجتمع، وفي تنفيذ سياساتها الخارجية. وثمة قول مشهور للسياسي الفرنسي المحنك، جورج كليمنصو، الذي قاد بلاده إلى النصر في الحرب العالمية الأولى، مفاده أن الحرب هي شأن شديد الأهمية بحيث لا يمكن تركه بين أيدي العسكريين؛ ويبدو أن وجهة النظر هذه، المنبثقة من التطلعات الامبريالية التي تتعامل مع العالم بوصفه ميدان صراع، تنسحب على ميدان الإعلام، لأن الإعلام أمر شديد الخطورة بحيث لا يمكن تركه في أيدي الإعلامين.

كان الخيار في الولايات المتحدة واضحاً بالنسبة لمراكز القرار، فمنذ بداية القرن العشرين قررت الدولة ربط الإعلام بجهاز الاستخبارات، وتم هذا من خلال مسارات متعرجة استندت إلى دراسات أكاديمية تتعلق بتشكيل الرأي العام وبنظام التعليم، وكان لتطور وسائل الإعلام دور كبير في تعديل أساليب التعامل مع الصحف والإذاعات. واشتدت هيمنة الدولة على الإعلام خلال العقد الثاني من القرن العشرين الذي شهد انتشار استخدام أجهزة الراديو في الولايات المتحدة بالتوافق مع ازدهار صناعة السينما، الأمر الذي منح أجهزة الاستخبارات إمكانية الوصول إلى اوسع شرائح من الجمهور من خلال بث رسائل متتالية، ظاهرها بريء لكنها مدروسة بعناية فائقة، بهدف تعميم ثقافة الرضوخ لقرارات الدولة.

وخلال الحرب العالمية الثانية تطورت أهمية الإعلام، حيث كان للنشاط الإعلامي المحموم لأنصار انخراط الولايات المتحدة في الحرب الدائرة في أوروبا دور كبير في دفع مراكز القرار لتجاوز المزاج الشعبي المناهض للحرب، وجاءت قضية الهجمات ضد بيرل هاربر لتمنح وسائل الإعلام فرصة ذهبية لحشد الرأي العام لتأييد قرار خوض الحرب.

ويمكن القول أنه، خلال الربع الثالث من القرن العشرين، كان للبث التلفزيوني الدور الأكبر في تشكيل الرأي العام في الولايات المتحدة بعد نجاح الشركات الصناعية المدعومة من الدولة في تصنيع أجهزة تلفزيون رخيصة الثمن سمحت للعديد من الأسر بامتلاك جهاز خاص بها؛ ومع حلول العقد السادس من القرن العشرين، دخل التلفزيون إلى ثلثي بيوت مواطني الولايات المتحدة،

وكانت أجهزة الاستخبارات تتابع تطور دور الإعلام بمختلف أنواعه، وتوصلت وكالة الاستخبارات المركزية إلى ضرورة وضع برنامج محكم للهيمنة على وسائل الإعلام، وتبلور هذا في برنامج سري حمل اسم الطير المحاكي “موكينغ بيرد”، في إشارة واضحة إلى الدور المحدد المرسوم للإعلاميين، وهو محاكاة ما يلقنهم إياه برنامج الاستخبارات.

بدأ البرنامج في مطلع العقد الخامس من القرن العشرين، وهدف إلى التلاعب بالأخبار بهدف تسخيرها لأغراض الدعاوة السياسية، وتضمن برامج تمويل للطلاب وللمنظمات الثقافية وللمجلات والصحف. أشرف على البرنامج السيد فرانك وايزنار، مدير مكتب التنسيق السياسي الذي كان بمثابة واجهة لعمل مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة. قام الرجل بتجنيد الصحافي فيليب غراهام من جريدة “واشنطن بوستن”، وكلفه بالإشراف على المشروع. كان وايزنار يسيطر على عدد كبير من العاملين في المجال الإعلامي في “التايمز” وفي “نيوزويك”، بالإضافة إلى العديد من العاملين في وسائل إعلام أخرى.

انتقل الإشراف على البرنامج إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية آلان دالاس، ومع حلول عام 1953 تمكن البرنامج من تعزيز نفوذه على أكثر من خمسة وعشرين صحيفة ووكالة أنباء. وكانت الطريقة المتتبعة تقتضي أن تقوم وكالة الاستخبارات بإعداد التقارير الإعلامية، ومن ثم يقوم الإعلاميون بالاستناد إليها وتكرارها عبر قنوات الإعلام المختلفة.

جاءت فضيحة “ووترغيت” لتسلط الضوء على تجاوزات وكالة الاستخبارات المركزية. وفي العام 1975، كتب الصحافي سيمور هرش مقالاً تفصيلياً حول عمليات التجسس التي تمارسها وكالة الاستخبارات المركزية داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي دفع الكونغرس إلى تشكيل لجان تحقيق تناولت مختلف نشاطات الوكالة، بما في ذلك علاقتها الوثيقة مع الصحافيين، لكن تقارير تلك اللجان لم تتضمن أية إشارة إلى برنامج “الطائر المحاكي”، واكتفى التقرير النهائي بالإقرار بأن وكالة الاستخبارات المركزية أقامت شبكة تتضمن مئات الأفراد في سائر أرجاء العالم بهدف جمع المعلومات والتأثير على الرأي العام عن طريق الدعاوة المموهة، وأشار إلى الصلات الوثيقة بين الوكالة والعديد من وسائل الإعلام.

يعتبر الصحافي كارل برنشتاين، الذي ساهم في الكشف عن فضيحة التنصت على الفعاليات السياسية، من أكثر الأشخاص اطلاعاً على واقع الإعلام في الولايات المتحدة، وسبق له أن كتب عام 1977 أن هناك أكثر من أربعمائة صحافي أمريكي قاموا خلال السنوات العشرين الماضية بتنفيذ خدمات لمصلحة وكالة الاستخبارات المركزية. ولم يكن الأمر مرتبطاً بإعلاميين مغمورين، بل بمدراء مؤسسات كبرى مثل “تايم” و”نيويورك تايمز” و”وكالة رويترز” وصحيفة “نيويورك هيرالد تريبون”.

وفي العام 2008، خصصت مجلة “تايم” مقالاً أوردت فيه أنه خلال الحرب الباردة مولت وكالة الاستخبارات، بسخاء، عدداً من أهم الشخصيات الإعلامية ضمن إطار الحملة الدعائية التي استهدفت الاتحاد السوفياتي، وتمكنت، في واقع الأمر، من تحقيق نتائج مبهرة.

استمرت هذه الممارسات حتى بعد الإعلان عن إنهاء برنامج “الطائر المحاكي”، وهو أمر انتقل إلى العلانية قبل قرابة شهر، بعد أن رفعت وكالة الاستخبارات المركزية السرية عن بعض الوثائق، الأمر الذي أتاح للمهتمين الاطلاع على وثائق رسمية حول العلاقة بين أجهزة الأمن والصحافة في الولايات المتحدة.

ومن أبرز المؤشرات على تحول الإعلام إلى سلاح فعال واقع ان البنتاغون يتعامل مع هذا القطاع بوصفه السلاح الخامس الذي يرفد القوات البرية والبحرية والجوية والقوات الخاصة. وضمن هذا السياق، تقرر اعتباراً من شهر تشرين الأول 2006 تشكيل وحدات إعلامية ملحقة بكل تشكيلات جيوش الولايات المتحدة.

ولا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة، حيث أن هيمنة أجهزة الاستخبارات على وسائل الإعلام تمثل سمة مشتركة في بلدان الديمقراطيات الغربية، وفق ما يستشف من تصريح للإعلامي جون بيلغر، مدير تحرير الشؤون الدولية في وكالة BBC، والذي تحدث عن العلاقات الوثيقة بين الصحافة والأجهزة الأمنية البريطانية والطريقة التي تمت بها فبركة التقارير الخاصة بأسلحة الدمار الشامل المزعومة التي استخدمت لتبرير غزو العراق وتدميره.

في واقع الأمر، لم تتغير نظرة قادة الدول الرأسمالية إلى شعوبها، ناهيك عن نظرتها العنصرية الاستعلائية ضد الشعوب الأخرى. ويقتصر دور الشعب، وفق هذه النظرة، على الخضوع وتأييد قرارات الطغمة المالية المرتبطة بالمجمع الصناعي العسكري الذي لا يكف عن تبرير وجوده وتمويله من خلال شن الحروب العدوانية في كل أرجاء العالم. كان ونستون تشرشل من أبرز ممثلي همجية الطبقة الرأسمالية، وسبق له التحدث عن “الحقيقة في زمن الحرب” واعتبرها أمراً ثميناً للغاية بحيث لا يمكن تركه دون حماية مجموعة من الأكاذيب.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد