دون ملل أو كلل العمال.. عمل دائم على جبهات الإنتاج وصمود ينتج مقومات الحياة والمقاومة

25 ألف عامل في السويداء، يتابعون عملهم دون كلل أو ملل لاستمرار العملية الإنتاجية خلف خطوط النار في الأفران، وعلى الأنوال في معمل السجاد، وخلف الآلات في الشركة السورية لتصنيع العنب، وبين المواطنين في القرى يقومون بأعمال النظافة، وعلى أعمدة الكهرباء، وفي آبار المياه، وغيرها الكثير من مواقع العمل والجبهات المنتشرين بها، غير آبهين بالمخاطر والظروف الصعبة التي يعانونها، وهدفهم تأمين الخدمة للمواطنين، فكانوا الأوفياء بكل معنى الكلمة، فهم جنود مجهولون، وقفوا بكل صبر واحتمال رغم كل الظروف المعيشية الصعبة، واستمروا بالعمل رغم كل المعوقات والصعوبات التي لا تحتمل في كثير من تفاصيلها.

زيارة ميدانية

“البعث” زارت العديد من مواقع الإنتاج، والتقت العمال، وقد جمعهم رغيف خبز، وبضع حبات من الزيتون.. كثيرة هي الصفات المشتركة بينهم، تجاعيد حفرتها عشرات السنين على الخدود، آلامهم مشتركة، وكذلك آمالهم، وعمال معمل السجاد في السويداء يشكلون أنموذجاً لعمال الوطن من حيث حبهم للعمل، وارتباطهم به، ومساهمتهم في تطويره، فهم يعملون بروح معنوية عالية، وحالهم  كحال معظم العمال في القطاعات الإنتاجية، معوقات وصعوبات وتحديات، وبالمقابل إصرار على العمل والعطاء والحفاظ على المكتسبات التي تحققت منذ عشرات السنين للطبقة العاملة، فالاحتفال اليوم بعيدها ما كان ليكون لولا جهودهم وتضحياتهم وعرق جبينهم الذي امتزج مع لقمة عيشهم.

يقول العامل سامر قرعوني: كانت الحوافز والمكافآت الإنتاجية سابقاً تتجاوز ضعف الراتب تقريباً، وكذلك المكافآت التشجيعية والتي كانت تُعطى بشكل شهري، وحالياً علقت لارتباطها بتحقيق نسب معينة من الإنتاج، ولن ننسى هنا أن ذلك كله كان بسبب هذه الحرب القذرة التي يواجهها الشعب السوري بالصمود الأسطوري، وتحدث أجود حيدر عن قدم الآلات، وكثرة أعطالها، وصعوبة تأمين القطع التبديلية نتيجة الحرب والحصار الاقتصادي الجائر، حيث يذهب معظم الوقت والجهد في عمليات الإصلاح، وبيّن غسان الغضبان الظلم الذي لحق بالعمال في قطاعات الإنتاج بحكم طبيعة عملهم، فهم لا يستفيدون من إجازاتهم السنوية ولا يتم صرف أي تعويض مادي مقابل ذلك، وطالب صلاح بضرورة العمل بنظام المكافآت السنوية من خلال توزيع نسب من الأرباح المحققة على اليد العاملة، هي بالمختصر مطالبهم كما قالوها لنا، فالوقت لم يتسع لنا للحديث معهم، ففترة الاستراحة قد انتهت وعليهم متابعة العمل فحتى الحديث عن مطالبهم جعلوه أمراً ثانوياً أمام استمرار الإنتاج، أما أمنيتهم الأساسية فكانت عودة الأمن والأمان لوطننا الحبيب.

مطالب هامة

يقول فادي كيوان رئيس مكتب نقابة عمال الغزل، إن المتابعة اليومية تظهر الصعوبات الكبيرة التي تواجه العملية الانتاجية وإن أخطر الصعوبات تتمثل في المركزية كون أي طلب يحتاج لموافقة مركزية، وهذا ما يعرقل العمل والمطلوب صلاحيات أوسع لإدارة المعمل، وهذا مطلب ملح إلى جانب العمل لإدخال مهنة الغزل ضمن المهن الشاقة والإسراع بتأمين النول الآلي لحل المشاكل العالقة بسبب قدم الآليات. وطالب بضرورة رفد معمل السجاد الآلي بالسويداء بالنوال الحديثة وبالسرعة الممكنة، وإدراج مهنة السجاد الآلي ضمن المهن الشاقة والخطرة كونها تنطبق عليها الشروط الواجبة لذلك والإسراع بإصدار النظام الداخلي للشركة العامة لصناعة الصوف والسجاد التي مقرها محافظة حماة، وتعيين عمال جدد وخاصة على خطوط الإنتاج المباشر بمعمل السجاد الآلي، وإعادة منح تعويض الاختصاص الفني لعاملي الفئة الثانية المعينين بعد عام 1985..

وبين كيوان أنه رغم كل ذلك المعمل ينفذ الخطط بنسب عالية وهناك إجراءات تدفع للتفاؤل، وبانتظار تنفيذ الوعود لضمان استمرار نجاح هذا المعمل الذي يعتبر إحدى أهم المنشآت التي تقدم المنتج بجودة عالية ومطلوبة على ساحة المجتمع.

تميز وإبداع

ومن الحالات التي تلفت الانتباه سعي العمال الدائم إلى تطوير الذات والاستفادة من الخبرات والإمكانيات المتوفرة وتسخيرها في مواجهة العقوبات الاقتصادية، ومن تلك الحالات إبداع مكوك من خشب السنديان ليحل محل المكوك التركي وينافسه في الجودة وحسن الأداء في معمل السجاد، ويقول رئيس الورشة الفنية في معمل السجاد نضال البني: عند قدومي إلى الورشة لاحظت أن هناك الكثير من القطع تتعرض للكسر بشكل دائم بشكل يعيق العمل، وينعكس على الإنتاج فقمت بالعمل على تعديل بعض التصاميم بشكل يحمي القطع من الكسر، وقد أعطت نتائج إيجابية، ومن تلك القطع المكوك الذي كنا نقوم باستيراده من تركيا وبسبب الظروف الراهنة بدأنا بالتفكير بالبدائل المحلية، فقمت بالتجربة على قطع من خشب السنديان المحلي وبعد عدة محاولات استطعت الحصول على مكوك خشبي كامل أثبت بعد التجريب نجاحه وتلبيته للمطلوب وكان أفضل جودة من المكوك المستورد الذي كان بلاستيكياً أو خشبياً أقل متانة من الخشب الموجود لدينا، وبين البني أن الأزمة التي يمر بها البلد علمتنا فكرة أساسية، إما أن نكون مع من يريد التخريب أو مع من يريد البناء ونحن اخترنا الطريق الثاني لأنه الأسلم وعلى ذلك تربينا، مشيراً إلى أنه رغم كل المعوقات والصعوبات التي تواجهنا إلا أن حبنا لبلدنا جعلنا نتجاوز ذلك ونختار طريق البناء، منوهاً إلى أن الكلمة الطيبة التي نسمعها من الإدارة كانت أكبر حافز لنا في هذه الظروف الصعبة، ونحن مستعدون لتقديم المزيد مما نملك من جهد وخبرة حتى يستمر معملنا في العطاء.

الحضن الدافئ

ومن الشرائح العمالية الهامة والتي تؤدي دوراً كبيراً وبصمت هم شريحة عمال النظافة تلك الشريحة الساهرة على تأمين خدمة لكل مواطن من أبناء الوطن والتي يجب تقديم الدعم لها،  يقول أنيس العلي رئيس نقابة عمال البلديات: إنه يجب شمول مهنة عمال النظافة بالمهن الشاقة،وتخصيصهم بسلة غذائية وإعادة النظر بالسقوف والتعويضات لتحفيز وجعل رواتب العاملين في الوحدات الإدارية من الموازنة العامة للدولة، وبشكل خاص جنود وسائقو الإطفاء، وتثبيت العمال الذين يعملون بنظام العقود السنوية، ومنح العمال المراقبين الفنيين والجباة في البلديات الكساء المجاني، وزيادة الاعتمادات المخصصة للتعويضات بما يتناسب مع عدد العمال وأجورهم، وضرورة لحظ الاعتمادات السنوية الكافية للطبابة المجانية، حيث تعمد بعض الوزارات لجعل هذا التعويض مسقوفاً، ويبقى العمال محرومين من الاستفادة عدة أشهر من العام، وعدم حصر صرف استحقاقات العمال من الصناديق التعاونية المركزية في الإدارات المركزية، وتفويض اللجان في المحافظات والمديريات، كون اشتراكات العاملين تودع في المصارف بكل محافظة، وكي لا تكون هناك مزاجية في صرف التعويضات مركزياً.

مكاسب عمالية

عمال السويداء يسجلون تحفظهم على ما يجري اليوم في الأسواق، وارتفاع الأسعار، وعدم تطبيق سياسات اقتصادية حقيقية وناجحة لمساعدة أصحاب الدخل المحدود، وعجز الحكومة الواضح عن تطبيق سياسات ردع للتجار، والخلل الكبير الذي ظهر في عملية تداول وتسويق بعض المواد، وكل المبررات غير مقنعة، والدليل الآثار السلبية على المستهلك، والغلاء غير المسبوق لهذه المادة، وغيرها من المواد الأساسية.

عضو المكتب التنفيذي هشام أبو فخر قال: عيد العمال لم يأت بالصدفة، بل كان نتيجة نضال الطبقة العاملة وتضحياتها، والشهداء الذين سقطوا، فكان هذا العيد تخليداً للتضحيات، وبيّن أبو فخر أن الطبقة العاملة عبر ارتباطها وتجذرها بالوطن تشكّل أحد أهم أركان تحقيق الأمن الاقتصادي لأي مجتمع أو بلد بغض النظر عن المكاسب التي تتحقق لهذه الطبقة، وفي سورية كان الاكتفاء الذاتي الذي حققته جهود الطبقة العاملة في الجناح الآخر وهم الفلاحون، ويشكّل التنظيم النقابي الحضن الدافئ الذي يلجأ له العامل عند تعرّضه لأي اضطهاد.

مؤشرات سلبية

يقول جمال الحجلي رئيس اتحاد عمال السويداء: إن تدهور الواقع الاقتصادي لأصحاب الدخل المحدود يحمل مؤشرات سلبية ترهق العمال، ولها مفاعيل خطيرة على المجتمع، وارتفاع الأسعار والغلاء يسحق راتب العامل، والحالة في تزايد شبه يومي خطير ومؤذ، وطالبوا بتدخل إيجابي حقيقي لضبط الأسعار، وما تم لم يف بالغرض، وبقيت الوسائل عاجزة عن مساعدة العمال.

ويشير الحجلي إلى الإجراءات التي بذلت في الآونة الأخيرة لتحسين الوضع المعاشي للطبقة العاملة عبر حزمة من القوانين والمراسيم التي انعكست على وضع العمال، وخاصة التي تتعلق بإيجاد صيغ وشروط وعلاقات عمل متطورة ارتكزت عليها زيادة الإنتاج، والنهوض بالتنمية، وقد عمل الاتحاد العام من أجل إصدار قانون مماثل للقانون رقم /8/ لعام 2001 لتثبيت المؤقتين على رأس عملهم، وتعديل صكوك الاستخدام للعمال الموسميين، بحيث يشملهم الترفيع عن مدة استخدامهم، وتشميل عمال الفاتورة بإصابات العمل، واعتماد فئة واحدة للمشمولين بالمظلة التأمينية، ورفع نسب تعويض طبيعة العمل، والمثابرة على رفع قيمة الوجبة الغذائية، والاستمرار في منح لباس العمل، وإضافة فئات جديدة إليه، والتركيز على خطط التشغيل، وخلق فرص عمل جديدة في الريف، والعمل على تأهيل وتدريب العاملين في القطاع العام، وخلق فرص عمل جديدة، وإيجاد صيغ عمل تشغيل لمكاتب تقوم بتأمين فرص عمل بالخارج، وتوقيع اتفاقيات عمل، وإيجاد نوع من الضمان الاجتماعي في الدول التي يعمل بها عمال سوريون، وإحداث ملحقات في هذه الدول لرعاية وحماية حقوق عمالنا، وبيّن الحجلي أن اختلال التوازن بين الأجور والأسعار والفجوة بينهما سبّب عدم الاستقرار النفسي، وعدم الارتباط العضوي للعامل بعمله، وبسبب هذا الاختلال يضطر العامل خارج أوقات الدوام وخلال راحته أن يوزع جهده إلى أكثر من عمل، الأمر الذي سبّب دوراناً سريعاً في قوة العمل، وانخفاض الإنتاجية، وزيادة الإنفاق على التأهيل والتدريب، وتوزيع جهد العاملين إلى أعمال إضافية، مشيراً إلى أهمية زيادة الدخل عن طريق زيادة موارد المصادر المتاحة.

تستحق التكريم

لقد أعطت طبقتنا العاملة الكثير من جهدها وعرقها في خدمة الوطن، وكانت ولاتزال دائماً رمزاً للعطاء والتضحية، وفي كل عام وبمناسبة عيد الأول من أيار نقف أمام ما حققه العمال لأنفسهم ولمجتمعهم خلال الفترة السابقة، وما هي الأهداف التي يمكن تحقيقها في العام المقبل، هذا الاستشراف يعكس فهماً لجملة العوامل التي تحدد مكانة الطبقة العاملة، وقدرتها على التغيير بشكل عام، وبالتالي مدى تطابق هذه العوامل مع الظروف أو المعطيات المحلية، ويبقى تحقيق المطلب الرئيسي للعمال المتمثّل في تحسين مستوى معيشتهم، إضافة إلى الهدف العام المشترك المتعلق بالحرية والكرامة والتقدم، حافزاً للطبقة العاملة لمزيد من الإسهام في صنع الغد الأفضل.

آخر الأخبار