الأمة الواحدة في مواجهة الطعنة والقيد

عبد الرحمن غنيم- كاتب وباحث من فلسطين

إذا عدنا إلى دستور حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي اعتمده المؤتمر التأسيسي للحزب عام 1947، سنجد أن المبدأ الأول من بين المبادئ الأساسية جاء تحت عنوان “وحدة الأمة العربية وحريتها”. وتحت هذا العنوان ورد ما يلي: “العرب أمةٌ واحدة لها حقها الطبيعي في أن تحيى في دولة واحدة وأن تكون حرّةً في توجيه مقدّراتها. ولهذا فإن حزب البعث العربي الاشتراكي يعتبر:
1 – الوطن العربي وحدة سياسية اقتصادية لا تتجزأ ولا يمكن لأيّ قطر من الأقطار العربية أن يستكمل شروط حياته منعزلاً عن الآخر.
2 – الأمة العربية وحدة ثقافية، وجميع الفوارق القائمة بين أبنائها عرضية زائفة تزول جميعها بيقظة الوجدان العربي.
3 – الوطن العربي للعرب، ولهم وحدهم حق التصرّف بشؤونه وثرواته وتوجيه مقدّراته”.
هذه النظرة العربية القومية التي تبناها الحزب واكبتها عملياً تصورات أخرى لقوى سياسية عربية يمكن تلخيص الاتجاهات السياسية التي عبّرت عنها كما يلي:
1 – النظرة الوطنية القطرية التي ينطلق أصحابها من التسليم بالواقع الذي رسمه الاستعمار بعد الحرب العالمية الأولى، والعمل من خلال التسليم بهذا الواقع.
2 – النظرة السورية القومية الاجتماعية التي ترى في سورية الطبيعية، أو الهلال الخصيب، وطناً قومياً تسعى لإنجاز حريته ووحدته. وهذه النظرة توازيها في الواقع تلك الدعوات المنادية بوحدة الجزيرة والخليج، أو وحدة وادي النيل، أو وحدة المغرب الكبير.
3 – النظرة الإسلامية التي يرى أصحابها أن المسلمين أمة واحدة، ويجب أن تضمهم دولة إسلامية واحدة.
4 – النظرة الأممية الماركسية الداعية إلى تجاوز المفاهيم الوطنية والقومية والدينية، والذهاب إلى وحدة أممية أو تضامن أممي.
5 – النظرة القبلية التي رفض أصحابها كل المفاهيم السابقة وحاربوها بشكل أو بآخر لصالح هيمنة زعامات قبلية في بعض الأقطار العربية.
هذا يعني أننا أمام خمسة أنماط من التفكير، عدا الرؤية العربية القومية، يحاول كل منها الانتصار لرؤيته وتكريسها. وقد أضيف لها نمط آخر قائم على البحث عن الأصول الإثنية المتميزة، وما فيها من اختلافات، والعمل من خلال ذلك على تحقيق الانفصال عن التكوين العربي. وهذا يعني عملياً أننا نواجه سبعة أنماط من الاتجاهات السياسية الرئيسية.
هنا قد يقال لنا: حسناً! ما هي المشكلة في أن يحاول أصحاب كل وجهة نظر من هؤلاء الدعوة لوجهة نظرهم، والعمل على إثبات صدقيتها؟.
ونقول: إن المشكلة ليست في تعدد الاتجاهات السياسية، أو في التفاعل السلبي أو الإيجابي بينها، ولكنها تكمن أولاً في التحزب القائم على التعصّب، وثانياً في عدم رؤية التحديات الكبرى التي نواجهها، والتي تستلزم التلاحم والتعاضد وليس التنافر والتنابذ. وتصبح المشكلة أكثر خطورة حين يلجأ البعض إلى القوى التي تمثل التحدّي للاستعانة بها في مواجهة الآخرين، أي حين يصير البعض عندنا أداة لأعدائنا تمكنهم من التسلط علينا.
إن الحقيقة التي يجب أن ننتبه إليها هي أننا نواجه استحقاق البعث والنهضة والتجدد – بغض النظر عمّا في مفاهيمنا من تعدد – في ظل استهداف مزدوج قائم بالفعل. وهذا الاستهداف المزدوج له مظهران أساسيان: الأول يتمثل بالغزو الصهيوني الذي احتل جزءاً من الأرض العربية ويسعى إلى احتلال المزيد، والثاني يتمثّل بالسعي الامبريالي الأمريكي المتواصل لفرض الهيمنة الكاملة على بلادنا تحت شعار العولمة أو أية شعارات أخرى.
ولنلاحظ هنا أن العلاقة بين الاستهدافين هي علاقة تكاملية وليست تنافسية. فلو كانت هذه العلاقة تنافسية لأضعف كل طرف منهما الآخر. أما وأنها تكاملية، فهذا يعطيهما درجة أعلى من الخطورة، بل درجة الخطورة القصوى، حيث يعتمد كل منهما على الآخر في محاولته لتحقيق أهدافه، فالأمريكي يخدم الهدف الصهيوني في التوسع، والصهيوني يخدم الهدف الأمريكي في السيطرة الكاملة.
إن الخطر الصهيوني هو خطر مصيري وجوديّ يستهدف اغتصاب الأرض وتشريد أهلها، وإحلال المستوطنين محلهم، أو إخضاع من نجا من القتل والتشريد منهم للعبودية، مصادراً كل مظهر من مظاهر الحريّة. وقد يرى البعض، بالقياس، أن خطر الهيمنة الأمريكية يظل أقل وطأة من السيطرة الصهيونية، لكن تضافر الخطرين معاً يجعلهما، بالمحصلة، خطراً واحداً غايته ألا يكون الوطن العربي للعرب، وألا يكون لهم وحدهم حق التصرّف بشؤونه وثرواته وتوجيه مقدراته، بل أن يصادر منهم هذا الحق بشكل كلي. وهنا نستطيع أن نفهم بالعمق ما جاء في المبدأ الأول من المبادئ الأساسية في دستور البعث، فقد كان الحزب عند تأسيسه، عام 1947، يستشرف الخطر الذي يتهدّد الأمة، والعرب – مهما تعددت آراؤهم وأفكارهم – هم في حالة دفاع عن الوجود والحرية، وعليهم أن يتحدوا في مواجهة العدو الذي يستهدفهم.
إن الخطر الذي نواجه ليس واقعاً افتراضياً تنطبق عليه نظرية الاحتمالات، وإنما هو خطر قائم بالفعل، وهجومه علينا قائم ومتواصل، ونحن نعيش حالة دفاع عن النفس، ويصعب على أيّ كان أن يقول إننا في حالة هجوم. وحين يكون الأمر على هذا النحو، فإن واجب الدفاع عن النفس والوجود يصير مقدّساً. ومن العبث أن يقول أحدنا: انتظروا.. سنواجه بعد أن نبني وطننا الصغير! أو أن يقول ثانٍ: انتظروا.. سنواجه بعد أن نبني وطننا السوري الكبير! (مع العلم بأن بناء هذا الوطن يستلزم هزيمة العدو الذي يحتل جزءاً من هذا الوطن)، أو أن يقول ثالث: انتظروا.. سنواجه بعد أن نحقق وحدة وطننا العربي الأكبر! أو أن يقول رابع: انتظروا.. سنواجه بعد أن نحقق الوحدة الإسلامية! أو أن يقول خامس: انتظروا.. سنواجه بعد انتصار الأممية الاشتراكية في العالم كله!. وإذا كان هؤلاء سيقولون لنا: انتظروا! شافعين أنظارنا بالوعود، فهناك ذلك التعيس الذي لن ننتظر منه في أحسن الأحوال غير أن يقول لنا: اقلعوا أشواككم بأيديكم إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً، فلست معكم من المنتظرين. إن ما أتسلّط عليه من الأرض يكفيني! وإن الأمريكي بمظلته يحميني! وإنني عليكم من الطاغين الباغين، ولكم من الكائدين!، وإن أحلامكم الصغيرة والكبيرة تؤذيني!، والحقيقة أنه ذهب في كيده إلى أقصى الحدود، فصار للصهيوني والامبريالي من الخادمين، وتحوّل إلى أداة إرهاب وتخريب في أيدي المعتدين. وأما من يدعو للانسلاخ عن الأمة، فقد تقولب تفكيره على قاعدة الهرب، والتنصل من العرب، وصارت أقصى أمانيه أن ينفصل في مساحة من الأرض تكفيه، وأن ينام على الجنب الذي يرضيه، حتى ولو فرش له الصهيوني فرشته وجاءه الأمريكي باللحاف الذي يغطيه!.
أمام هذا الواقع الهائج المائج، وما فيه من تحديات واختراقات، نتساءل: ما هي الأولوية التي يفترض أن تستأثر بالاهتمام، وأن تتموضع من حولها الأحلام؟. لو تعمدنا تبسيط الصورة إلى أقصى درجات التبسيط، لقلنا: أليست هي حقيقة فعلية قائمة تلك التي تقول بأن الخنجر الصهيوني مغروز بالفعل بالجسد العربي؟، ثم أليست هي حقيقة فعلية قائمة تلك التي تقول بأن الكثير من أقطارنا باتت مكبّلة بالقيد الامبريالي الأمريكي؟، وما الذي تعنيه هذه الحقيقة، وتلك، غير أنه استلب منا جزءٌ من الوطن وجزءٌ من الحرية؟، ونحن نعرف جيداً أن أعداءنا لم يكتفوا بما استلبوا، بل يريدون سلب المزيد، والإجهاز على ما بقي لنا من حق في الحرية، أو نعيش بكرامة في هذا الوجود.
هنا, وأمام هذه الحقيقة المرة، لا بدّ وأن يخطر ببالنا السؤال التالي: ما هي الأولوية التي يجب أن تفرض نفسها علينا غير أولوية مواجهة الطعنة والتخلص من القيد؟.
إن المنطق يقول بأن التحرر من القيد والتخلص من الطعنة ضرورتان لهما الأولوية ليس فقط لتحقيق الأحلام، ولكن أيضاً للحيلولة دون تمكن الخصم من الإجهاز نهائياً على الجسد المستهدف. ولكن ما يفعله العرب والمسلمون الآن لأنفسهم، وبأنفسهم، وبأيديهم نيابة عن أعدائهم، هو أعجب العجب!، والغريب أن هذا الذي يفعلون ليس بالخطر الطارئ الذي لم يحذرنا أحد منه منذ زمن، فهذا هو الكاتب وليام كار في كتابه (أحجار على رقعة الشطرنج) يقول عن مخطط الحرب العالمية الثالثة الذي رسمه أعداؤنا منذ القرن التاسع عشر، إن لم يكن قبل ذلك، بأنه يقضي “أن تقاد هذه الحرب وتوجه بصورة يحطم فيها العالم العربي، ومن ورائه الإسلام، ذاته”! وها نحن نواجه بالفعل حرباً صممت على هذا النمط.
قد نفهم سلوك الأنظمة الثيوقراطية البدوقراطية على أنه منسجم مع طبيعة هذه الأنظمة ومترفيها الذين فسقوا فيها، ولكن ماذا عن الأحزاب الممثلة لوجهات النظر والعقائد والأفكار؟.
لا شك أن التحدّي الذي نواجهه يفرض على هذه الأحزاب أن تتخلى عن منطق التحزّب المقترن بالتعصّب، وأن تحرص على وجود هامش للتفاعل أو التعاون بين وجهات النظر المختلفة على قاعدة أن الإنجاز الوطني يخدم الإنجاز القومي الجزئي, وأنهما معاً يخدمان الإنجاز القومي الشامل، وأن الإنجاز القومي يخدم الإنجاز الإسلامي مثلما يخدم الإنجاز الإنساني أي الأممي. فإذا نظر إلى الأمور من هذا المنظار المرن اكتشفنا التكامل بدل التحامل، وتفادينا أن ينطبق علينا قوله عز وجل [فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزبٍ بما لديهم فرحون] “المؤمنون 53”.
هل كان تحقيق مثل هذا التكامل الذي يوحدنا في مواجهة الخنجر الصهيوني والقيد الامبريالي مستحيلاً؟. في الحقيقة أن الجواب الفعليّ هو “لا”.
إن صيغة الجبهة الوطنية التقدمية في سورية، مثلاً، جمعت كل الاتجاهات السياسية باستثناء اتجاه واحد بقي خارجها. ولكن حتى هذا الاتجاه الواحد أمكن إيجاد صيغة للتواصل معه من خلال أمرين: أولهما مؤتمر الأحزاب العربية الذي جمع، وعلى مدى فترة لا بأس بها من الزمن، كل الاتجاهات السياسية، وثانيهما تبنّي سورية لحركة حماس المعبّرة عن الاتجاه الموجود خارج الجبهة عملياً. وقد اختار الجزء المتمثّل بحماس الانحياز إلى كله الإخواني حين جدّ الجدّ، واختارت الجماعة موقعها بين أصحاب الطعنة والقيد، وليس في مواجهتهم!.
لو سئل قادة الإخوان عن سر سلوكهم المعاكس الذي يتجلى عادة في المنحنيات الصعبة، وكأنهم والأعداء على ميعاد، لحاولوا تبرير سلوكهم بأساليب لا يفهم منها في نهاية المطاف سوى شيء واحد، وهو أنهم يعتبرون أن الإمساك بالسلطة يحتل الأولوية في برنامجهم حتى على مواجهة الطعنة والقيد. ولكن حتى هذا المبرر الذي يسوقون يبدو في المسار عبثياً. فهدف الوصول إلى السلطة له فنونه وتكتيكاته، وليس من هذه الفنون والتكتيكات اللجوء إلى الاغتيالات, وممارسة الإرهاب، والإفساد في الأرض، خاصة إذا جاءت هذه السلوكيات لتخدم أصحاب الطعنة والقيد. ثم إن الحبل السُرّيّ الذي يربط بينهم وبين أصحاب الأنظمة الثيوقراطية البدوقراطية، أو المرتبطة بالأحلاف الاستعمارية، ينهض كدليل إضافي على عدم جدّيتهم في اعتماد الفكر الإسلامي. فمن كان مع النموذج الإسلامي الحق كان مع العدالة وممثليها، ولا يكون مع أنظمة أبعد ما تكون عن منطق العدالة أو الحرص على الإسلام والمسلمين.
وإذا كان لنا أن نفهم بشكل جدّيّ موقف جماعة الإخوان المسلمين من الواجب الذي تفرضه المعاناة العربية من الطعنة والقيد، فإنه يكفي أن نضع نظام أردوغان، الممثل لهم في تركيا، أمام السؤال البسيط عن موقفه من أصحاب الطعنة والقيد؟!.
لا أحد يجهل علاقة التحالف القائمة بين نظام أردوغان وبين أصحاب الطعنة، ولا أحد يستطيع إقناعنا، على طريقة (الإخوان المسلمين) في سَوْق المبررات، بأن هدف هذه العلاقة، مثلاً، هو تخفيف الحصار الذي يفرضه أصحاب الطعنة على قطاع غزة. فهذا المنطق مرفوض أصلاً من حيث المبدأ، ثم إن الجسر الممدود بين نظام أردوغان وبين الصهاينة يخدم أهداف أصحاب الطعنة، ولكنه بالمقابل لم يخفف شيئاً من الحصار على قطاع غزة، وليس تخفيف هذا الحصار هو هدف النضال أصلاً. كذلك لا أحد يجهل العلاقة التحالفية بين تركيا أردوغان وحزبه التابع للإخوان وبين حلف الناتو وصاحب القيد الأمريكي، فهي علاقة وثيقة وموثقة.
ما الذي يعنيه هذا على الصعيد العملي؟. إنه يعني أن النظام السياسي الوحيد الذي تحكمه جماعة الإخوان في العالم الإسلامي لا يكتفي بأن يكون مقصّراً في إسناد العرب بمواجهة الطعنة والقيد، ولكنه يتحالف مع صاحبيهما ضدّ العرب! فهل ننتظر من أي نظام سياسي إضافي، يقيمه الإخوان في أي قطر عربي أو إسلامي، أن يسلك مسلك نظام أردوغان الإخواني، أم أنه سيسلك سلوكاً معاكساً؟ وعندئذ أي السلوكين يمثل الإخوان؟!.
إنه لسؤال كبير وخطير لا نظن أن لجوابه المحتمل من تفسير سوى أن الجماعة تريد الاستعانة بالطعنة والقيد لتحقيق هدفها متصالحةً مع كليهما. وربما قال قائل منهم، في محاولة تبرير هذا المنطق: “من وصل حصل”! أي أن من وصل إلى الإمساك بالحكم في المنطقة حصل على الظرف الذي يمكنه من مواجهة الطعنة والقيد، فهم بذلك من المرجئين للمعركة ضدهما عامدين. وحتى لو كانوا في منطقهم هذا صادقين فإن الكيد يولد الكيد، وأن ينشغل العرب والمسلمون ببعضهم البعض، بدلاً من مواجهة استحقاقات الصراع، سيقود بالمحصلة إلى جعل منطق “من وصل حصل” يقودنا من فشل إلى فشل.
ونقول لأصحاب “من وصل حصل”: إن صاحبي الطعنة والقيد ليسا بالغبيّين ولا باللاعبين اللاهيين، فهما يديران لعبة ترك العرب والمسلمين يقتلون بعضهم بعضاً من أجل تمكين “إسرائيل” من التوسع بين الفرات والنيل، ومن أجل فرض الهيمنة على العالم العربي والإسلامي. وهم من يبرمجون الحرب الدائرة الآن، وليس قيادة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، فهذه إنما تنخرط في أداء الأدوار المطلوبة منها ظانة أن هناك فرصة لاحت يمكن أن تنتهزها، أما هم فقد أقحموا لاعبين آخرين، مطمئنين إلى إمكانية التحكم بسلوك هذه الأطراف بحيث لا تتجاوز في النهاية الدور المرسوم. ويكفي إلقاء نظرة على خريطة التنظيمات الإرهابية الوهابية التكفيرية، وغيرها من التشكيلات التي يزجها أصحاب الطعنة والقيد في الصراع، لندرك أن حساباتهم تختلف عن حسابات اللاعبين الصغار، وإن ما حدث لجماعة الإخوان في مصر وليبيا وتونس واليمن، وحتى في سورية بعد انخراطها في مؤامرة “الربيع”، أنها استخدمت كورقة للعب على ألا يكون لها تمكين. فمن يريد نشر الفوضى في المنطقة ليست له مصلحة في أن يمكن حزباً بعينه من فرض سلطته. ولو نظرنا إلى خريطة القوى المتنافسة المهيّأة للدخول فيما بينها في صراع لاكتشفنا أنها أكثر من مجموعة أصحاب الاتجاهات السياسية التي كانت سائدة في الوطن العربي قبل بداية مؤامرة “الربيع”. وهذا التعدد لم يجئ بالصدفة، وإنما جاء نتيجة تدبير.
وإذا كان قادة الإخوان يعتقدون أن التنظيمات الإرهابية – كونها تحمل رايات “إسلامية” – هي حليف طبيعي لهم على الأرض يمكن أن يشدّوا به أزرهم، فهم واهمون. فهذه التنظيمات بالذات قد تكون الأخطر على وجود الجماعة حاضراً ومستقبلاً، لكونها مؤسسة على منطق الاستئصال الدموي. ولقد كان بوسع جماعة الإخوان، رغم سوابقها الإرهابية التاريخية, أن تدّعي أنها حزب سياسي يمثل الدعوة الإسلامية أو الفكر الإسلامي وسط الساحة، ويكاد ينفرد بتمثيل هذا الفكر سياسياً، أما الآن فقد صار مترتباً عليها أن تتحمل نتيجة الصراع الدائر ضد الإرهاب باعتبارها صارت طرفاً في ممارسة هذا الإرهاب، والأهم أن أيّ اعتدال يمكن أن تتظاهر به في المستقبل سيظل موضع شك عند الآخرين، بعد أن مارست العنف الإرهابي في ليبيا وسورية واليمن ومصر، وبعد أن ثبت تعاونها مع التنظيمات الإرهابية التكفيرية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد