«الترحيب» بالمبادرة الروسية.. وما بعده..!!؟

 

لم يتوقف الجدل.. ولم ينتهِ النقاش حول المبادرة الروسية، في وقت بدأت تنبت على أطرافه وداخل هوامشه الكثير من التفسيرات المتناقضة حيناً والمغلوطة أغلب الأحيان، حيث هناك من يتربص ببعض التفاصيل كي يعيد إنتاج شيطانه الخاص، الذي يتوافق أو يقارب تمنياته،

وإن كانت صعبة التحقق رغم تعمد الاصطياد في الماء العكر، والتشبث ببعض المفردات لحرف مسار المبادرة أو في الحد الأدنى التشكيك بجدوى التعويل عليها.‏

حالة الترحيب التي بدت هي السائدة لا تكفي للحكم على النيات ولا على التوجهات، كما أنها لا تصلح للاستدلال على توافر إرادة فاعلة في تحريك المسار السياسي، بل ثمة ما هو ملح للدفع بالسؤال الجوهري ماذا بعد؟ فأغلب من رحب كان يسبقها أو يلحقها باشتراط يكاد ينسف ترحيبه من أساسه، ومعظمهم أردفها باستدراك يعيد محاكاة بعض الهواجس، وفي بعضها الآخر يعكس حالة القلق التي تنتاب من كان يراهن على وضع العربة أمام الحصان، أو يعوّل على وضع العصي في عجلات المبادرة حتى قبل أن يطلع على تفاصيلها ومضمون بنودها، ولا يخفى على أحد أن الكثير منهم أراد أن يركب الموجة بغض النظر عن وجهة نظره الخاصة في المسألة.‏

الواضح أنه ليس كل من أعلن ترحيبه بالمبادرة يعني ذلك الترحيب بحرفيته، أو أنه سيلتزم بما يقتضيه، وأنه سيقوم بما هو مطلوب منه لتسهيل تطبيق المبادرة، أو لتوفير الظروف الموضوعية لذلك، كما أن من رفضها يدرك أنه لا معنى لرفضه لأنه ليس صاحب القرار في الرفض أو القبول، ما يدفع إلى الجزم بأن القضية ليست في موجة الترحيب، ولا هي في غصة الرفض، بل في موضع آخر لا يستطيع أحد تجاهله، وأساسه مدى القدرة على التنفيذ أولاً، ومدى الجدية في التعاطي مع بنودها ثانياً، ومساحة القدرة على التفريق بين التمنيات التي يسوقها البعض ومقتضيات ما تفرضه كأمر واقع ثالثاً، ويبقى الأهم ما هي الخطوة اللاحقة أو التالية.. رابعاً ؟!!.‏

في المحصلة نحن أمام حراك سياسي ودبلوماسي يحمل معه أوراقاً جديدة تصلح للنقاش بين المعنيين الأساسيين كما هو مع من يجد نفسه خارج سياق الدور المباشر فيها، حيث التفاهم الروسي الأميركي الغائب تقريباً منذ أشهر وجد نافذة لإعادة إطلاق اللقاءات الثنائية، التي بدت هاتفية وستتبعها بالضرورة مباشرة تم تحديد أولها في قمة المحيط المتجمد الشمالي، وربما كانت سبباً كافياً للقاء قمة الرئيسين بوتين وترامب، تم تحديده مبدئياً في قمة العشرين بعد أقل من شهرين، وهذا يفتح الباب لتقديم مقاربات تبتعد أو تقترب من المبادرة بهذا القدر أو ذاك، وتتقاطع معها أو تتوازى في سياق الحديث عن إعادة تفعيل قنوات التواصل العسكري مثلاً.‏

على الأرض ثمة تحديات تبرز بشكل أكثر حدة من السياسة، باعتبار أن نقطة الاختبار ستكون هناك وليس في مواقف قابلة للتبدل والتغيير، وليس هناك من ضامن يمكن الأخذ به كحالة تصلح للمقارنة، وفي التجارب السابقة ما يكفي للدلالة على هشاشة الرؤية السياسية التي تحكم الكثيرين، بما فيها مثلاً الضامن التركي الذي سبق الجميع إلى اللغو والثرثرة في تفسير بنود المبادرة وتحميلها ما هو خارج سياق أي نص وارد فيها، فيما مرتزقته على الأرض كانوا في سباق محموم مع الزمن لإعلان الرفض وما يستتبعه من مؤشرات تصعيد من خلال الاعتداءات وخرق اتفاق وقف الأعمال القتالية.‏

أخطر ما تواجهه المبادرة إضافة إلى التحديات القائمة على الأرض تلك الازدواجية الواضحة في السياسة الغربية وبعض أدواتها الإقليمية، حين ترحب في السياسة بينما تصطنع ما يكفي من عقبات وعراقيل لإجهاضها، ولن تتردد في تفخيخ كل خطوة على حدة إذا ما عجزت عن تفخيخ المبادرة ككل، كما أنها ليست بوارد التسليم على الأرض كما هو الحال في السياسة، خصوصاً بعد الانخراط الأميركي الذي خلط حسابات إقليمية ودولية كانت تراهن على رفض أميركي لخطوة ستكون محسوبة على الرصيد الروسي، أو في الحد الأدنى كانت تعوّل على موقف أميركي أقل اندفاعاً مما تشهده أروقة التواصل، وأقل وضوحاً في لهجة الترحيب وإن أعقبتها بالتحذير والتشكيك والرفض لاحقاً..!!!‏

ما بعد الترحيب بالمبادرة يبدو شائكاً في فهم اتجاهه، وفي أي كفة سيرجح، خصوصاً حين يرتبط بلحظة اختبار النيات التي لا يمكن للمواقف السياسية المعلنة ان تكون مقياساً أو معياراً صالحاً للأخذ بها، حيث إن الكثير منها كان للبيع المؤقت أو الشراء الآني في رهان على أن الإرهاب الذي استثمرت فيه دول وقوى وأطراف وتنظيمات لا يزال ورقة يتم التلويح به، والفصل المستحيل بين معتدليه ومتطرفيه سيظل التحدي الأخطر الذي يفرض على المبادرة الروسية أن تحاكي بعضاً منه وأن توفر أدوات فاعلة في مواجهة من بازر لسنوات تحت شعاره، ويرهن وجوده ومصيره ودوره الوظيفي على بقاء سوق تلك المبازرة قائماً وفاعلاً لسنوات إضافية.‏

سورية التي تحتفي – دائماً كما هي هذه الأيام – بشهدائها وتضحيات أبنائها.. تعاطت بإيجابية تكشف ذلك الفارق بين أن تكون في صلب المواجهة المفتوحة وبين تلك الأحجيات التي راهنت على متغيرات لم تأتِ..‏

وسورية التي كانت وستبقى متمسكة بأولوية مكافحة الإرهاب لم تغلق باباً.. ولم توصد نافذة.. لكنها في الوقت ذاته لن تسمح لأحد بالاصطياد خارج النص..!!‏

 

آخر الأخبار