تفاهم أميركي روسي أم تنظيم للخلاف؟

ناصر قنديل

– حملت المواقف الإعلامية الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته ريكس تيلرسون وعن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أعقاب اللقاءات التي ضمّت لافروف وتيلرسون أو ضمّتهما مع ترامب، إشارات واضحة إلى مناخات إيجابية عالية، كقول الرئيس ترامب إنّ اللقاء كان جيداً جداً، وتأكيده تعاون جميع الأطراف لتخفيف التوتر ووقف العنف في سورية، أو دعوته موسكو لاحتواء إيران والحكومة السورية، وبالتالي اعتبار التعامل الروسي معهما مطلوباً وليس عقبة أمام تعاون واشنطن وموسكو. وفي المقابل أعلن لافروف في مؤتمره الصحافي عن تفاهمات ونيات تعاون وخطة تواصل لمناقشة وتقييم المسائل الدولية، مستخدماً كلمة «اتفقنا» على مشاركة أميركية في منصة أستانة، و«اتفقنا» على إحياء مجموعة العمل المشتركة، وفقاً لقاعدة أنّ المسائل الدولية يجب أن تحلّ معاً، و«اتفقنا» على العمل معاً والتعاون في مستويي أستانة وجنيف.

– خلال شهرين سيلتقي الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، وخلال الشهرين سيكون اختبار المناطق الهادئة في سورية قد ثبت أو انهار، وستكون حرب الطبقة على داعش قد انطلقت، وسيكون مصير ما يجري تحضيره في الحدود الجنوبية لسورية قد حُسِم، والتفاهمات التي بشّر بها المسؤولون الروس والأميركيون هي مقدّمات للتفاهم الأكبر الذي ينتظر لقاء بوتين وترامب، ولذلك فإنّ محادثات جنيف الخاصة بسورية لن تحقق نتائج تُذكر هذه المرة بانتظار ما سيجري خلال الشهرين على المسارات الثلاثة المذكورة ويتوّج بلقاء ترامب بوتين.

– يعلم الفريقان وحلفاؤهما أنّ السباق على الحدود السورية العراقية صار هو البعد الوحيد في الحرب السورية الذي يمكن وصفه بالاستراتيجي، لما يتيحه من فرص تحويل العلاقة السورية بإيران والعراق إلى عمق استراتيجي أو إلى رهينة للإرادة الأميركية. لكن الفريقين وحلفاءهما يعلمون أنه سباق يجب أن يتمّ على نار هادئة ومن دون التحوّل إلى مواجهة سياسية أو عسكرية بينهما، وإلا أصيب الجميع بالخسائر، وتضرّرت مخططاتهم. فعندها لا حرب في الرقة ولا فرص نجاح لمسار أستانة، ولذلك يجب أن تتعهّد روسيا بتوظيف الدور التركي في أستانة كتعويض لتركيا عن خسائرها في حرب الرقة ومنع التخريب على هذه الحاجة الأميركية، مقابل تعهّد أميركي بتحويل الحماسة السعودية لتحرك الجبهة الجنوبية لسورية إلى تعويض عن عدم المشاركة في أستانة، وبالتالي منع تخريب سعودي لمسار التهدئة، وتنظيم الخلاف على الحرب الجنوبية بحصرها في أضيق نطاق تحت عنوان أنّ الفريقين يخوضانها تحت عنوان الحرب على داعش وتطويق وحداتها وضمان أمنهم من مخاطر تسرّب وحدات داعش نحو مناطقهم في ظلّ حربي الموصل والرقة.

– بات واضحاً أنّ تحريك الجبهة الجنوبية ليس كما أوحت التقارير التي تحدّثت عن اختراق للأراضي السورية من الحدود الأردنية بغطاء جوي أميركي بريطاني وشراكة برية أردنية ووحدات خاصة أميركية وبريطانية نحو منطقتي درعا والسويداء، كما كانت الرغبة السعودية والإسرائيلية، بل صارت تحركاً من الجهة المقابلة من حدود الأردن مع سورية وهي الجهة الجنوبية الشرقية المحاذية بطول 200 كلم للبادية في لسان الرويشد الأردني الذي يفصل سورية عن السعودية ويقع على حدود العراق بعرض 100 كلم، وينتهي بنقطة التنف على المثلث السوري العراقي الأردني، التي يوجد عليها من الطرف الأردني أميركيون وبريطانيون وأردنيون ووحدات قاموا بتدريبها من الميليشيات السورية باسم «جيش سورية الجديد»، وتبتعد نقطة التنف عن تدمر قرابة 150 كلم، قطع الجيش السوري منها أكثر من النصف خلال اليومين الماضيين، والسباق هو على المساحة الفاصلة من الحدود السورية العراقية ما بين التنف والقائم والتي تبلغ 200 كلم سيحاول الآتون من التنف السيطرة عليها بقوة بلا ظهير جغرافي وتعدادها قرابة الخمسة آلاف مسلح، بينما سيسعى الجيش السوري وحلفاؤه للسيطرة عليها، ومن ضمنها البادية التي تفصل مواقعهم شرق حمص باتجاه دير الزور.

– بلوغ القائم على الحدود السورية العراقية سيقرّر مستقبل التنافس الدولي الإقليمي على ما هو استراتيجي في الحرب السورية، ضمن معادلتي التعاون لإنجاح حملة الرقة التي يقودها الأميركيون، ونجاح مسار أستانة الذي يقوده الروس، وفي نهاية الشهرين يلتقي ترامب وبوتين لترصيد الحسابات التي ستنتج معادلة لجنيف جديد، وربما مبعوث أممي جديد على قياس التسوية التي تحدّدها موازين القوى. تسوية تكرّس اليد العليا لمحور المقاومة بدولة سورية مركزية قوية، أم تسوية متدرّجة لدولة سورية رخوة تتعايش مع مناطق النفوذ، ويمكن الضغط عليها اقتصادياً واستراتيجياً عبر خط الحدود العراقية لفرض بعض مقتضيات الأمن «الإسرائيلي». وبالتوازي كلّ تعثر في الرقة والحرب على داعش جهوزية أميركية لتعاون مع روسيا وحلفائها بقوة العجز. وكلّ تعثر في مسار أستانة جهوزية روسية لتعاون مع أميركا بقوة الحاجة، لذلك يقول المعنيون في محور المقاومة إنّ بلوغ القائم من الطرفين السوري والعراقي قرارٌ قد اتُخذ وستوضع كلّ الإمكانات لحسمه، وفقاً لمعادلة الفشل ممنوع.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.