طوق النجاة

د: خلف المفتاح

حظيت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية باهتمام غير مسبوق من وسائل الإعلام العالمية والإقليمية وصورت وكأنها زيارة فاتحين وحاول البعض استثمارها وتصويرها على أنها

 

انجاز تاريخي للحكم السعودي ومؤشر على مكانة وموقع المملكة في الاستراتيجيات الأميركية في اطار سلم الأولويات وهو ما جرى ويجري استثماره إعلاميا لتعزيز صورتها بعد ان اهتزت لجهة حربها في اليمن وانخراطها في العدوان والإرهاب الذي تواجهه سورية منذ أكثر من ست سنوات ونيف.‏

إن من يعاين الوضع في المملكة العربية السعودية ووضع الرئاسة الأميركية وتحديداً الرئيس ترامب يكتشف أن ثمة قواسم مشتركة بينهما فالرئيس الأميركي يواجه حملات واسعة في الداخل الأميركي ولاسيما من وسائل الإعلام التي تتهمه بضعف الخبرة السياسية وضلوع المخابرات الروسية في حملته الانتخابية والتشكيك بفوزه بالانتخابات ناهيك عن الأجندة التي جاء بها والمتعلقة بمنع الهجرة إلى أميركا وبناء جدار عازل مع المكسيك والسياسة الحمائية التي أعلن عليها الأمر الذي يتناقض أساساً مع الفكرة الليبرالية والعولمة الاقتصادية على وجه الخصوص ولعل آخر ما وجه له من انتقادات هو تسريبه لوزير الخارجية الروسية سيرجي لافروف أسراراً تتعلق بتنظيم داعش الإرهابي الأمر الذي فهم منه عدم إدراكه موجبات الحكم.‏

بالمحصلة ومن خلال ما تمت الإشارة اليه نلحظ أن الرئيس ترامب وإدارته الجمهورية يعانين من مأزق في الداخل الأميركي وتحوم حول أهليته للرئاسة وشرعية وصوله اليها العديد من الأسئلة تعيد إلى المشهد الأجواء والظروف التي عاشها الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون في ولايته الثانية إثر فصيحة ووتر غيت وكيف حاول التغطية عليها بزيارات خارجة عن التقليد كزيارة الصين ولقاء ماوتسي تونغ وكذلك زيارته لمصر عام ١٩٧٤ برفقة كيسنجر والهالة الإعلامية التي أحيطت بها آنذاك ومع كل تلك البهرجات الإعلامية لم ينج نيكسون من السقوط حيث قدم استقالته في شهر آب عام ١٩٧٤ حتى لا يخضع للمحاكمة والعزل.‏

وفي المقلب الآخر تواجه الحكومة السعودية وضعاً صعباً على الصعيدين السياسي والاقتصادي لجهة تورطها في الحرب على اليمن والتكلفة الباهظة لذلك سواء على الصعيد العسكري وحجم الخسائر التي منيت بها قوى ما يسمى التحالف أو لجهة التكلفة المالية للحرب حيث تشير التقارير الواردة في الصحف الأميركية إلى حوالي ١٥٠ ملياراً ما يشكل عبئاً مالياً على المملكة ما اضطرها لاتخاذ إجراءات تقشفية غير مسبوقة لتعويض فاتورة الحرب وما لذلك من انعكاسات اجتماعية وسياسية في الداخل السعودي الذي بدأت تصدر عنه بعض مظاهر التذمر والاحتجاج جراء تلك السياسات غير المحسوبة واللاعقلانية التي ورطت المملكة في صراعات ونزاعات لا قبل لها ولشعبها مصلحة حقيقية فيها.‏

ولو وضعنا المشهدين جانباً وفتشنا جيداً في المطبخ السياسي الأميركي وتحديداً في عهد ترامب نجد أن لهذه الزيارة أهدافاً وغايات أخرى قد لا تظهر بشكل مباشر على أنها عناوين أساسية، في طليعتها أن ترامب يتعامل مع دول العالم تعامل رجل الأعمال لا رجل السياسة فحساباته حسابات الربح والخسارة وفي أسوأ الأحوال تقليل الخسائر فهو يعلن جهاراً نهاراً أن أمريكا لا تقدم خدمة مجانية لأحد أي على طريقة الشركات الأمنية (بلاك ووتر) الحماية مقابل المال ما يعني أن العنوان الاقتصادي وعقد صفقات السلاح والاستثمار سيكون هو الأساس في هذه الزيارة ولاسيما انه قد سبقها حديث عن صفقات سلاح بقيمة ٢٠٠ مليار دولار مع المملكة وصفقة تم توقيعها مع دولة الأمارات العربية المتحدة بملياري دولار أشبه ما تكون ( مقبلات للزيارة ) قبل الوليمة الرئيسية.‏

والى جانب البعد الاقتصادي كان عنوان مكافحة الإرهاب الذي اصبح لازمة سياسية وتنويعاً على ما سبق هو على رأس جدول أعمال تلك الزيارة ولكن مع حرف البوصلة باتجاه ايران وحزب الله جنبا إلى جنب مع داعش والنصرة وهو الشغل الشاغل للإسرائيلي الغائب الحاضر في ذلك الكرنفال السياسي والإعلامي المفضوح.‏

والحال كنا أمام مشهد من مشاهد مسرح اللامعقول، فبالرغم من كل ما حصل من ماس للعرب والمسلمين بفعل السياسات الغربية الاستعمارية وكل ما تختزنه واختزنته ذاكرتنا الجمعية من صور خيانة الغرب لنا منذ خديعة مكماهون وهنري سايكس لقادة الثورة العربية إبان فترة الحرب العالمية الأولى يضاف اليه ما مورس على أبناء هذه الأمة طوال قرن من الزمن فمازال بعض ساستها بل جلهم يقعون في تفس الأخطاء القاتلة والمدمرة بحق شعوبهم من دون أن يتعلموا درسا من دروس التاريخ.‏

آخر الأخبار