ترامب.. اليوم التالي

بسام هاشم : البعث

هكذا تمثّل اليوم التالي للقمم الثلاث في الرياض: اقتحامات بالآليات المدرّعة في العوامية، واعتقالات وإعدامات جماعية بحق المعتصمين السلميين في البحرين، وعصا سعودية إماراتية في وجه مشيخة قطر.. المملكة التي سلّمت مفاتيحها للرئيس الأمريكي وسط دهشة الأخير، وذهول مئات ملايين العرب والمسلمين، والعالم، لا تستطيع تحمّل أي “محاولة لشق الصف”، ولا حتى شبهة الاعتراض، وهي متأهبة للمحاكمة على النوايا.

وللمفارقة، ولربما للشماتة، فإن الخلاصة الأولية والسريعة التي يمكن الخروج بها، بعد ساعات قليلة من مغادرة ترامب، ومن تجديد التحالف الاستراتيجي (!!؟؟) بين الاستخبارات المركزية الأمريكية والعائلة الحاكمة في الرياض، هي أن مملكة القهر تتصرّف بكثير من الذعر، وتدرك حقيقة أن زمام الأمور قد أفلت – ولربما بلا عودة – من يديها، وأن هذه العودة بالهراوة الغليظة لفرض الانضباط إنما تخفي في ثناياها واقعاً مريراً من استمرار الخوف والشعور بالتهديد ومكابدة الخذلان.

لا تريد السعودية أن تصدّق أنها عقدت صفقة خاسرة وعبثية، بل تريد الايحاء أنها انتزعت من ترامب مقابلاً ما. وطالما أن ملامح الضيف الأمريكي بقيت جامدة طوال ثلاثة أيام، وطالما أنه لم يبادل قلادة بقلادة، ولم ينطق بكلمة السر التي ستنقل صولجان الملكية لأحد ما (جرى الاكتفاء من هذه المهمة بأربع كلمات يتيمة وصفت ايفانكا محمد بن سلمان بها بأنه شخصية محفّزة وصاحبة حضور فعّال)، وطالما أن البيان الختامي للقمة العربية الإسلامية-الأمريكية سيبقى محط جدل كونه صيغ بعد مغادرة الوفود المشاركة، ووجد هناك من شكك به – بمعنى أن زعامة القرار العربي الإسلامي لم تعقد لمملكة ما – فإن آل سلمان، الذين يستعجلون حسم معركة الوراثة، يستعجلون أيضاً إخضاع الجميع للاختبار، والانطلاق أولاً من خلال “تنظيف” ما يعتبرونه حديقتهم الخلفية، ولو اضطرهم ذلك للاعتراف، على مضض، ومؤقّتاً، وتحت ضغط معادلات القوة والعجز القائمة، بدور ما للإمارات، أقله في اليمن، ومن ثمّ إطلاق يد القمع والقتل في المنطقة الشرقية، وبالتوازي في البحرين، الخاصرة الرخوة العصيّة على الاستبداد، وأخيراً إعادة مشيخة قطر إلى بيت الطاعة السعودي من خلال حملة إعلامية ترهيبية مبرمجة تنتهي باستهدافاتها عند أردوغان.

جنّ جنون السعودية. خرجت عن طورها. فقدت اعصابها. هي لا يمكن أن تتخيّل أن كل ذلك الكرم والسخاء، وكل ذلك التبذير والإغداق، الذي اتخذ شكل مقامرة “استثمارية” من طرف واحد، وقفزة محفوفة بالمخاطر في الفراغ، يمكن أن تذهب هباء. صحيح أن ترامب لم يقدّم شيئاً، ولكنه قد يخضع للإحراج، وهو لن يأتي بردة فعل أقله إلى حين العودة إلى واشنطن، وعرض “الجزية” أمام المتربصين الذين يشكّكون بأهليته في البقاء في البيت الأبيض.

وعليه، فإن قطر تمثّل هنا فريسة نموذجية، ترتجف فزعاً تحت الأنياب، خاصة وأن اللقاء الأخير بين ترامب وتميم كان في غاية الجفاء، وأن الرئيس الأمريكي لم يتردد في اتهام قطر بدعم الإرهاب، وأن مسؤولاً سابقاً في مكتب تشيني كان اتهمها، قبل أيام من مهرجانات الرياض، بممارسة سياسة مزدوجة تتمتع من خلالها بالحماية العسكرية الأمريكية، وتقدّم في الوقت نفسه الدعم السياسي والإيديولوجي والمالي لأكثر الجماعات الإرهابية خطورة وتطرّفاً، وأنها تستّرت على وجود مهندس هجمات أيلول في عاصمتها لسنوات، وسخّرت “الجزيرة” والقرضاوي للتحريض على قتل الأمريكيين في العراق، مؤكداً وجود اتصالات أمريكية سعودية إماراتية لنقل قاعدة “العيديد” إلى دولة أخرى، قد تكون الأردن، لتشكل نواة “الناتو العربي” المنتظر.

تلك هي “وحدة الصف العربية والإسلامية” التي “توجّت” السعودية قيادتها لها في قمم الرياض، وذلك هو البديل الذي تستطيع مملكة الإرهاب والصمت الاستحصال عليه بعد أن رفض ترامب الانجرار إلى الحرب المباشرة، والقتال بالوكالة، ضد إيران: إن لم تستطع تزعم العالم العربي والإسلامي بعقود موقّعة مع الأمريكان من الباطن، على الأقل يمكنك المبادرة لاختطاف القرار الخليجي عبر نبش الملفات القديمة، والانقضاض على “أشقاء” الأمس، شركاء الدم والكذب والإرهاب، وتأسيس غرفة العمليات المشتركة المعروفة، والتي باتت علامة سعودية مسجّلة، تمهيداً لانقلاب ثان في الخليج – بعد البحرين – وهذه المرة على آل ثاني.

آخر الأخبار