المرياع والنعاج التي تنصاع

عبد الرحمن غنيم
كاتب وباحث من فلسطين

لأن العلاقة بين السعودية وشركائها الصغار في مجلس التهاون الخليجي هي مثل العلاقة بين المرياع والقطيع، ولأن حاكم قطر فكر – ولو للحظات في أن يتخذ لنفسه مساراً منفصلاً عن مسار القطيع – كان لا بد للمرياع من أن يجبره على أن ينصاع. لكن القرار الفعلي عملياً هو للراعي الأمريكي، وما كان بوسع المرياع أن يتصرف لولا غمزة الراعي له. وهذا ما تأكد بعد أن أظهر ترامب رضاه على ما يفعله المرياع زاعماً أن تلك هي البداية في محاربة الإرهاب متجاهلاً ما يعرفه الناس جميعاً عن رعاة الإرهاب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
من المؤكد أنه ما من أحدٍ يراهن على الحاكم القطري أن يصمد في وجه المرياع السعودي، لا لأن المرياع أقوى – رغم أنه أقوى بالفعل – ولكن لأن المرياع مكلف من قبل الراعي الذي جعله في المقدمة ليتبعه القطيع. ولأن الحاكم القطري لا يستطيع القيام بوظيفة المرياع، ولا يملك أيضاً إمكانية الانفراد بعيداً عن القطيع دون أن يجبره الراعي على أن ينصاع، وسلوكه حتى الآن يدل على أنه ينصاع.
في وقت من الأوقات، ومع بدء دخول مؤامرة “الربيع العربي” مرحلة التنفيذ، ظن القطري أنه كلف بدور المرياع في قيادة الأطراف الإقليمية المساهمة في تنفيذ الخطة المدبرة، واعتقد أن مشيخة قطر الصغيرة ستكبر من خلال أدائها لهذا الدور, مثلما اعتقد أيضاً بأن إعادة رسم خريطة المنطقة، كمحصلة تعقب مرحلة نشر الفوضى، ستتضمن توسيع جغرافية المشيخة بضم المنطقة الشرقية من المملكة السعودية إليها، لتتحول المشيخة بذلك إلى مملكة. لكنه سرعان ما اكتشف بأن دور المرياع أسند للنظام السعودي، ونزع من يد القطري.
لم يأت هذا التغيير في هوية المرياع، وإحلال السعودي محل القطري، من فراغ, وإنما جاء مباشرة بعد قرار إقحام تنظيم القاعدة على نطاق واسع في استهداف سورية في أعقاب التخلص من النظام الليبي، بعد أن وجد الأمريكيون أن العناصر التي جندت، أو يمكن أن تجند، لاستهداف سورية لن تكفي، حيث كان المخطط أساساً يعتمد على دور جماعة “الإخوان المسلمين” بالدرجة الأولى مع استخدام للتشكيلات التابعة للقاعدة، والمتحكم بها من قبل عملاء المخابرات المركزية الأمريكية، بالدرجة الثانية. ومعروف أن مرجعية “الإخوان المسلمين” الإقليمية كانت توجد في الدوحة قبل أن تبرز تركيا أردوغان لتشكل مرجعية لهم. ورغم أن الدوحة سارعت إلى فتح ممثلية لطالبان في الدوحة، إيذاناً بتنظيم الخطوات المتعلقة باستثمار القاعدة في المؤامرة، إلا أن الأمريكي – الذي اضطر إلى التخلص من أسامة بن لادن في مطلع أيار عام 2011 لإزالته كعقبة تعترض خطته لاستثمار القاعدة ضد سورية ولحساب إسرائيل – وجد أيضاً أن حجم الدور المطلوب من القاعدة، ومثيلاتها من التنظيمات الإرهابية التكفيرية ذات الخلفية الوهابية، يتطلب أن تتولى السلطات السعودية القيام بدور المرياع بدلاً من السلطات القطرية.
ولعلنا لا نبتعد عن الصواب إذا افترضنا بأن الأمريكي اتخذ هذا القرار بعد أن اكتشف، ومعه شيطانه الصهيوني، في لحظة ما، أن تصعيد جماعة “الإخوان المسلمين” على حساب الأطراف الأخرى قد ينطوي على مغامرة لا تتناسب مع الاستراتيجية الصهيونية القائمة على التفتيت. فالعدو الصهيوني يعنيه الحيلولة دون وحدة العرب، أو العرب والمسلمين، ومن ثم محاربة كل حزب أو تيار سياسي يجعل من هذه الوحدة هدفاً، سواء كان ينطلق من رؤية قومية أو من رؤية إسلامية. ومن هنا جاء الحرص على أن تكون التنظيمات الإرهابية المسلحة متعددة التنظيمات والولاءات، ومتصارعة فيما بينها، حتى إذا ما نجحت في إنجاز المهمة الأساسية المطلوبة منها، وهي إسقاط النظام ونشر الفوضى محل النظام، انكفأت لتقتتل فيما بينها.
إن تكليف السعودي بدور المرياع جعله يمسك عملياً بالدور الإقليمي الأساسي في قيادة وإدارة الإفساد، أي أنه صار مرجعية لكل، أو لمعظم، العصابات القائمة بممارسة الإفساد. وهذا من شأنه أن يقزم الدور القطري، أو أن يقلل من أهميته بالقياس إلى الدور السعودي، وأن يجبر قطر، ومن معها، على السير ضمن القطيع وراء المرياع السعودي. وبالمقابل، عمل النظام السعودي على تصعيد دوره كمرياع، والبحث عن أوراق إضافية تجعل الأمريكيين يقرونه على الاستمرار في أداء هذا الدور.
ورغم تعثر السعودي في إنجاز الدور المسند إليه، والى القطيع السائر خلفه، في استهدافه لسورية، وفشله في محاولة استهداف إيران بالإرهاب، إلا أنه حاول توسيع ما أسماه بالدور السعودي، فكان من أشكال توسيع هذا الدور قيامه بشن الحرب على اليمن، ظاناً أنها يمكن أن تكون لقمة سهلة سائغة تعزز من دوره الإقليمي. ومن المؤكد أنه ما كان ليقدم على هذه الخطوة لو لم يتلق أمراً من الراعي الأمريكي وشيطانه الصهيوني، إذ أن ما حدث ويحدث في اليمن لا يمكن تفسيره إلا على أساس كونه يتم في خدمة الاستراتيجية الأمريكية والصهيونية. والحقيقة أن السعودي لم يذهب إلى التورط في اليمن إلا بعد أن كان قد رتب علاقته مع الكيان الصهيوني لإقامة تحالف شبه معلن بينه وبين هذا الكيان. وإذا أردنا أن نحدد العنصر الأهم في هذا التحالف قلنا إن النظام السعودي، الذي بات يعمل على أساس مقولة مواجهة إيران باعتبارها العدو، والزعم بأن الإفساد الذي يمارسه ضد سورية والعراق واليمن ولبنان إنما غايته مواجهة إيران، بات يعتقد بأن الشراكة بينه وبين الصهاينة في مواجهة إيران تضمن له شريكاً إقليمياً هو إسرائيل من جهة، وضمانة للرضى الأمريكي عليه من جهة ثانية. لكن الدافع الأهم بالنسبة للكيان الصهيوني من وراء هذه العلاقة إنما يتمثل في تحويل الجغرافيا السعودية، البالغة الاتساع، إلى مجال حيوي للعسكريين الصهاينة في مواجهة إيران، خاصة وأن ضيق مساحة فلسطين المحتلة يمثل نقطة الضعف الكبرى التي يعاني منها الكيان الصهيوني. ومن الواضح أن استهداف اليمن غايته الأساسية تمكين إسرائيل من الهيمنة على باب المندب والبحر الأحمر. ولعل محاولة السعودية للسيطرة على جزيرتي تيران وصنافير، عند مدخل كل من خليج السويس وخليج العقبة، شكلت، مع التفاهم على إيجاد إدارة عسكرية سعودية – اسرائيلية مشتركة هناك، خطوة في هذا الاتجاه ذاته. وإذا كانت الغاية الفعلية المعلنة من وراء هذا كله هي عزل إيران، ولجم قدرتها على الحركة على طرق التقرب البحرية، فإن السعي الواضح للمتآمرين على سورية لإيجاد حاجز داعشي، أو غير داعشي، بين سورية والعراق، إنما غايته أيضاً عزل إيران براً، والحيلولة دون قدرتها على التقرب بقواتها البرية من جبهة الصراع العربي – الصهيوني. وهذا ما يفسر دور التحالف الأمريكي في التنف خلال الأسابيع الأخيرة.
لا شك أن الخدمات التي قدمها الحكام السعوديون للصهاينة، في مجال محاولة إبعاد ما تعتبره إسرائيل خطراً إيرانياً عليها، كانت من الأهمية والخطورة والجدية بحيث بدت معها الخطوات القطرية للتطبيع مع الكيان الصهيوني – سواء أخذ هذا التطبيع نموذج السماح ببعثة تجارية إسرائيلية في الدوحة، أو قيام اليهود الصهاينة بتأسيس واستثمار قناة “الجزيرة” لتكون في نهاية المطاف أداة للحرب النفسية الصهيونية ضد العرب، أو قيام حكام قطر بتملك فيلات أو قصور في فلسطين المحتلة – مجرد أشياء ضئيلة الأهمية في نظر الصهاينة. فما يقدمه المرياع السعودي للصهاينة يعني تحالفاً إقليمياً واسعاً لا مندوحة للقطري، أو سواه ممن يسير وراء المرياع، إلا أن يلتزم بأوامره وأوامر من يقفون خلفه، وينصاع.
ورغم أهمية وخطورة أوراق الاعتماد التي قدمها المرياع السعودي للطاغوت الأمريكي والشيطان الصهيوني، والتي أدت إلى تقزيم الدور القطري رغم مخاطره الجمة، فقد ذهب حكام الرياض إلى المسارعة في دفع “ثمن الحماية”، أو “جزية الحماية”، متجاوبين مع رغبة الرئيس الأمريكي ترامب دون تردد، بل ووسط جلبة وضوضاء وشهود. وتلك كانت ورقة إضافية سمحت للمرياع السعودي بأن يهيئ نفسه للنطاح وهو يرى “النعجة” القطرية تبتعد، ولو قليلاً، عن القطيع، وتتردد، ولو قليلاً، في دفع ما طلب منها كجزية للحماية. فما لم تواجه “النعجة” قرن نطاح المرياع فإنها ستواجه يقيناً عصا الراعي. ولا أحد يستطيع الافتراض بأن المرياع السعودي، أو الراعي الأمريكي، لن يقول للحاكم القطري، الذي سلك سلوكاً ناشزاً، ولو بعض الشيء، عن القطيع: “استقم كما أمرت!!”، باعتبار أن دفع “ثمن الحماية” هو رائز الاستقامة الآن في الحسابات الأمريكية. وأما التفاصيل الصغيرة الأخرى، التي يتذرع بها المرياع السعودي ومن يسيرون خلفه، فلا قيمة ولا أهمية لها عند الراعي الأمريكي الذي يدرك جيداً أنه يمتلك القطيع كله، وأن الكل في القطيع لا يملك – إن صدر إليه الأمر من الراعي – إلا أن يطيع.
إن الرياض التي أمسكت بالعديد من الأوراق التي تزكيها في نظر الطاغوت والشيطان معاً، وأهلتها للاحتفاظ بدور المرياع، لا تملك “النعجة” القطرية إزاءها إلا أن تنصاع. وهذا ما يحدث بالفعل، ومنذ الساعات، أو حتى الدقائق الأولى، التي أبدى فيها المرياع امتعاضه، تصرف الحاكم القطري وكأنه طفل ارتكب ذنباً وكل همه أن ينكر فعلته، أو أن يعتذر عنها، وأن يرفع إصبعه إلى فمه معبراً عن توبته وندمه دون أن يدرك أن الخيار وقع عليه ليكون أضحية التظاهر بالنية في محاربة الإرهاب. ولعل هذا الترتيب حدث متزامناً مع ترتيب آخر للشروع بممارسة الإرهاب ضد إيران، وهو الأمر الذي يكشفه الدور المسند لعميل المخابرات الأمريكية الذي أدار جريمة اغتيال الشهيد عماد مغنية، والتزامن بين الادعاء الأمريكي عن محاربة الإرهاب بدءاً بتأديب قطر ووقوع عمليات إرهابية مدبرة داخل إيران. وهنا يحق لنا أن نفكر بدور أعدّت له جماعة “الإخوان” مما يفترض أقصى درجات التحفظ إزاء اللعبة التي يديرها الشيطان.
هل يعني ذلك أن المشكلة بين قطر ومستهدفيها الخليجيين يمكن أن تنتهي بتبويس اللحى؟
من المؤكد أن إرادة الراعي الأمريكي للقطيع هي التي ستفرض نفسها، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بما قرره الأمريكي، لكننا نستطيع الجزم بوجود لعبة شيطانية قد تكون لها أبعادها الخطيرة من وراء ما يحدث. وإذا افترضنا أن المشكلة ستعالج بانصياع الحاكم القطري الحالي، أو من يأتون به بديلاً له للمرياع، فإن الانصياع القطري للمرياع – وهو انصياع كان قائماً أصلاً – يعني أمرين:
أولهما: التزام القطري بكل ما التزم به المرياع السعودي، بما في ذلك دفع “جزية الحماية” المطلوبة والتحالف مع الكيان الصهيوني، واعتبار أن العدو الأساسي هو إيران ومحور المقاومة بما في ذلك المقاومة الفلسطينية.
وثانيهما: إلزام القطري المنصاع بجعل جماعة “الإخوان المسلمين”، وغيرها من الجماعات المرتبطة به، تحذو حذوه، وتنصاع، وتسير معه وراء المرياع، أو قطع علاقته معها بشكل كلي إذا لم تفعل.
وهذا يعني أن يرث المرياع القطيع كله لحساب الطاغوت والشيطان، وان تتحول مشيخة قطر إلى مجرد نعجة في القطيع. وعليها رغم ذلك، وبالإضافة إلى ذلك، أن تدفع للراعي الأمريكي ثمن “الحماية”.
لكن هذا الاستنتاج قائم على احتمال واحد، وهو في الواقع ليس الاحتمال الوحيد, فقد رأينا كيف استثمرت جماعة “الإخوان المسلمين” في مؤامرة “الربيع العربي”. ومن حقنا أن نتساءل الآن: هل من مخطط جديد يراد تنفيذه في المنطقة، ويقتضي توظيف جماعة “الإخوان المسلمين” فيه؟
إن سلوك جماعة “الإخوان المسلمين” والأطراف التابعة لها، حتى هذه اللحظة، يقول بأن هذه الجماعة لم تظهر أي نوع من رد الفعل يدل على أن ما يحدث دفعها إلى الانحياز لراعيها القطري في مواجهة المرياع. فهم حتى هذه اللحظة يلتزمون مواقعهم في القطيع وراء المرياع. إنهم يواصلون دورهم في استهداف اليمن، مثلما يواصلون دورهم في استهداف سورية. وإذا كان هناك استهداف جديد يراد منهم تنفيذه، وسط الصخب المثار حول قطر، فقد لا يطول الوقت الذي ينكشف فيه دورهم في هذا الاستهداف.

*المرياع خروف كثير الصوف، جميل الصوت، يتم إخصاؤه كي لا ينشغل عن وظيفته الأساسية في قيادة القطيع، أما عن جمال صوته فذلك لأن القطيع غالباً ما يتبعه مطأطئ الرؤوس دون الحاجة لمشاهدته أو مشاهدة ما يجري حوله.

آخر الأخبار