الثنائي الأوروبي والأزمة القطرية

مازن المغربي:البعث

صار من الواضح أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أطلق يد ألمانيا الاتحادية في السعي لقيادة القارة العجوز بالتعاون مع الشريك الفرنسي المخلص. كان وصول ماكرون إلى منصب الرئاسة في فرنسا بمثابة مكافأة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تابعت عن قرب صعود نجم شخص كان قبل سنوات مغموراً لكنه حظي بدعم واحدة من أهم مجموعات الضغط في العالم، وهي مجموعة بيلدربرغ، حيث شارك، عام 2014، في الاجتماع الذي يعقد سنوياً منذ تاريخ تأسيس هذا المنتدى، عام 1954. ويضم هذا الاجتماع ما بين مائة وعشرين إلى مائة وخمسين مشاركاً يمثلون النخب السياسية والاقتصادية والأكاديمية في العالم، مع الإشارة إلى أن المستشارة الألمانية تشارك بانتظام في هذه الاجتماعات، منذ عام 2005.
كما يبدو أن القيادتين، في برلين وباريس، وجدتا في الأزمة التي تعصف بمجلس التعاون الخليجي فرصة لتثبيت مكانتهما على المسرح العالمي. وضمن هذا السياق، يمكننا إدراج نشاط وزير الخارجية الألماني الذي انطلق في رحلة إلى منطقة الخليج بهدف لعب دور متمايز عن دور واشنطن. ولا يمكن لعاقل القبول بفكرة أن هناك دوافع طيبة وراء تحركات الوزير الألماني الحريص على تنسيق جهود بلاده لضمان مصالح الإمبريالية الألمانية في منطقة الخليج ذات الأهمية الجيو استراتيجية. وكان الوزير الألماني عبر، بعد اندلاع الأزمة، عن معارضته لخطوات السعودية المدعومة من واشنطن، وحذر من أن صفقات التسليح الضخمة التي عقدتها الولايات المتحدة مع بلدان المنطقة تعزز احتمالات اندلاع سباق تسلح في منطقة حساسة.
إن سياسة التصعيد التي تتبعها السعودية تحمل في طياتها تهديدات لدور ألمانيا في المنطقة، وتتعارض مع سياسة برلين وباريس، ذلك أن لفرنسا مصالح ضخمة في المنطقة. وقبل أيام وقعت شركة توتال الفرنسية العملاقة عقداً تاريخياً مع طهران يتضمن القيام باستثمار قرابة خمسة مليارات دولار في تطوير واستثمار حوض الغاز الضخم المشترك بين قطر وإيران، والذي يضم قرابة 8% من مجموع الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي، كما يتضمن الاتفاق التعاون مع كل من روسيا والصين. وبهذا تكون فرنسا أول بلد غربي يعود للاستثمار في إيران بعد سنوات طويلة من المقاطعة. كما أن لباريس مواقع راسخة في استثمار الغاز القطري، الأمر الذي يجعل من المحافظة على أمن الخليج من أولويات سياسة باريس. وكان الرئيس الفرنسي حدد، في 22 حزيران الفائت، في مقابلة مع ثمانية صحف أوروبية، تطلعات فرنسا للعب دور في عالم صار متعدد الأقطاب، وعبر، خلال تلك المقابلة، عن ميله إلى ممارسة سياسة واقعية فيما يخص الأزمات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط.
ثمة علاقة وثيقة تربط فرنسا بالإمارة الصغيرة التي تقل مساحتها عن 12 ألف كم مربع، ويسكنها قرابة مليون ونصف المليون نسمة، بينهم مائتا ألف قطري، وتمتلك ثروات هائلة جعلت نصيب الفرد من الدخل القومي هو الأعلى على الإطلاق في كل العالم. إن قطر شبه جزيرة مرتبطة براً بالسعودية التي طالما اعتبرتها امتداداً لأراضيها لولا أن خطوط الحدود تم فرضها من قبل التاج البريطاني. ولا يمكن القول إن قطر دولة بالمعنى المتعارف عليه، بل هي كيان قائم على نظام الملكية المطلقة، ولا وجود للأحزاب السياسية فيها، وتعتمد الحكومة القطرية على عائدات الثروة الهائلة التي لم يكن للقطريين أي دور في استثمارها. وقد أدرك الشيوخ الذين توالوا على منصب الإمارة أن استمرار حكمهم مرتبط بنسج علاقات مع القوى الإقليمية والدولية المتنافسة، مع الحرص على عدم الاعتماد على طرف واحد، والسعي لعدم قطع الخطوط مع مختلف الأطراف.
وبالمقابل، ومع اقتراب الانتخابات النيابية في ألمانيا، ارتفعت أصوات تطالب بتعزيز دور ألمانيا على المسرح الدولي، بما يتوافق مع ما ورد في الكتاب الأبيض الخاص بجيش ألمانيا الاتحادية، والذي صدر العام الماضي، ودعا إلى عسكرة السياسة الخارجية. وكانت المستشارة ميركل عبرت بوضوح عن موقف حكومتها الساعي لصياغة سياسة أوروبية مستقلة عن واشنطن، حيث قالت إن زمن الاعتماد الكامل على الآخرين ولى، وإن على الأوروبيين التحكم بمصيرهم بأيديهم.
وتسعى ألمانيا لتحويل الاتحاد الأوروبي، تحت زعامتها، إلى لاعب رئيسي في تسيير شؤون العالم، ولهذا نلاحظ نشاط الديبلوماسية الألمانية في التعامل مع أزمة الخليج الحالية. ويمكن القول إن هذا المسار يندرج ضمن سياق إعادة الروح للنزعة العسكرية الألمانية التي تم الإعلان عنها بشكل رسمي في مؤتمر الأمن، في مدينة ميونيخ، عام 2014. وجاء انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب ليعززا هذا التوجه. ويمكن وضع زيارة وزير الخارجية الألماني إلى كل من السعودية والإمارات المتحدة وقطر والكويت في إطار رغبة ألمانيا للظهور بمظهر الوسيط المحايد، وعدم الانجرار إلى تأييد موقف واشنطن الداعم للسعودية. ففي تصريح إعلامي، قال الوزير الألماني إن استخبارات بلاده مستعدة للتعاون مع قطر للتدقيق في الاتهامات الموجهة إليها بدعم وتمويل الإرهاب. وكانت برلين عبرت عن نوع من التذمر بسبب التصريحات المتناقضة للرئيس ترامب حول الأزمة، ولم تترك فرصة زيارة وزير الخارجية السعودي لألمانيا تمر دون أن تعبر، على لسان وزير خارجيتها، عن قلق ألمانيا من مخاطر تحول الخلاف إلى مواجهة عسكرية، وهذا ما دفع بها إلى دعم المبادرة الكويتية، واقتراح القيام بالوساطة بين الطرفين المتنازعين. وذكر وزير الخارجية الألماني، خلال مقابلة حصرية مع صحيفة فرانكفورتر الغماينة، واسعة الانتشار، إن الوضع في الخليج يحمل مخاطر جدية، محذراً من أن الحصار المفروض على الدوحة يمكن أن يتحول إلى حرب، وقال أن على ألمانيا التعاون مع الولايات المتحدة، وبشكل خاص مع الأصدقاء في المنطقة، لإيجاد حل يضع حداً للحصار البحري والجوي، ووجه رسالة غير مباشرة إلى طهران من خلال مناشدة كل الأطراف المعنية إلى عدم صب الزيت على النار.
يبدو أن مشاريع إعادة رسم حدود الشرق الأوسط قد ولدت لدى القيادة السعودية وهم امتلاك القدرة على تصحيح ما تعتبره من أخطاء الماضي، لكن تشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية في المنطقة يجعل من المستبعد منح الرياض فرصة الهيمنة على الإمارة الصغيرة التي وضعت نفسها في مأزق حقيقي نتيجة تجاهل الحقائق الجيوسياسية التي ترسم خطوط العلاقات بين الدول، ومن المرجح أن تنتهي الأزمة بإعادة ضبط إيقاع سياسات بلدان الخليج وفق ما تحدده توافقات الدول الكبرى.

آخر الأخبار