الثورات الملوّنة.. التكنولوجيا الغادرة وتحدّيات المستقبل

. الثورات الملونة
في هذه السنة، التي تصادف الذكرى المئوية لثورة اكتوبر، بإمكان أعدائها القدامى أن يهللوا لحصيلتهم “الرائعة”. فإضافة إلى تداعي الاتحاد السوفييتي، قاموا بتحقيق “تقدمٍ” مذهلٍ في موضوع الثورات التي اتخذت ألواناً جميلة وبلغ عددها العشرات!
صحيح أن الأمر، حقيقة، ليس سوى انقلابات. لكن وسائل الإعلام تدبرت أمرها ووصفتها بالثورات. في روسيا، هنالك أحاديث، تصدر عن شخصيات متنوعة، حول اضطرابات مستقبلية، وتتضمن على الغالب رسالة مبطنة، بشكل ما، بأن ثورة جديدة يمكن أن تحدث، وتكون “بنفس فظاعة” ثورة اكتوبر! بعض الليبراليين، بالعكس من ذلك، يدعون إلى قيام هكذا ثورة. لكن، في جميع الأحوال، لقد تم تشويه الحقيقة، التاريخية والراهنة.
لنرى أولاً ما الذي تمثله الثورات الملونة. تعود أصولها إلى منظرّين. أهم هؤلاء المنظرّين جين شارب مع مفهومه عن “الفعل غير العنيف”، وجوزيف ناي، مؤلف نظرية “القوة الناعمة”.
بحسب جوزيف ناي، يجب أن يتم دفع موضوع هيمنتك إلى رغبة ما ترغب به أنت. أي أنه يجب على الشعوب في البلدان الخاضعة للهيمنة أن ترغب بالكوكا كولا، وبأفلام هوليوود، وبالسلع الاستهلاكية الفاخرة.. إلخ. وفي الوقت عينه، يجب على تلك الشعوب الاعتقاد بأن كل ذلك لا يمكن الحصول عليه إلا عن طريق اقتصاد التبادل الحر، وعن طريق الديمقراطية، والتعددية، وغيرها من “القيم الغربية”. على تلك الشعوب الاعتقاد، طبعاً، بأن الولايات المتحدة جاهزة لكي تقدم لها أقصى ما يمكن من المساعدة من أجل الوصول إلى ذلك.
لقد تدفق طوفان هائل من الدعاية على العالم من أجل ترسيخ تلك الأفكار، وذلك عبر وكالات الأنباء، ووسائل الإعلام، والسينما، والإنترنت، وأخيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي اعتباراً من سنة 2008. لكن الأمر الأسوأ حصل في المرحلة اللاحقة. إنه عملية غرس “النضال السياسي اللاعنفي” – كما وصفه جين شارب في العديد من مؤلفاته، ومن بينها “سياسة العمل اللاعنفي” (1973) – في بلدان مختلفة.
لاحظوا أن تلك الخطوات النظرية ليست سوى إعادة تدوير سيئة النوايا لأفكار مكررة منذ مدة طويلة (يكفي التفكير بـ “المقاومة اللاعنفية” التي ابتدعها غاندي الذي “يستوحي” منه شارب أفكاره بشكل صريح). إن فساد هذه الخطوات الفكري، وتضليلها، ولغتها المخادعة، لا يشبه سوى مهازلهم الثورية المزعومة التي ظهرت.
إن النظرية وحدها غير كافية. يجب الحصول على دعم المؤسسات. ومن أجل تطبيق مفاهيم شارب، تم وضع شبكة كبيرة من المنظمات – المنظمات غير الحكومية، والمعاهد، والصناديق – الهدف منها دعم وضمان وقيادة الثورات الملونة وغيرها من طرق تغيير النظام. جزء مهم من هذه المنظمات يتم تمويله مباشرة من الولايات المتحدة، وبعضها منظمات خاصة، مثل منظمة “المجتمع المفتوح” التابعة لجورج سوروس.
منذ عشرين عاماً، ينسب إليهم الثورات التي جرت في كل من يوغسلافيا (2000)، وجورجيا (2003)، وأوكرانيا (2004)، وقرغيزيا (2005)، ولبنان (2005)… ومنذ سنة 2011 تسارعت الوتيرة: تونس، مصر، وليبيا، وسورية، وأوكرانيا من جديد، والبرازيل… وذلك دون حساب الثورات التي يمكن اعتبارها البشارة، مثل “الثورة المخملية” في تشيكوسلوفاكيا سنة 1989. ومن بين الإخفاقات النادرة، هناك “الثورات” التي تم إجهاضها في بيلاروسيا (“الثورة الزرقاء”، 2006)، وفي أرمينيا (2008)، وفي إيران (“الثورة الخضراء”، 2009)، وفي روسيا (2011).
من بين المؤسسات الداعمة، هنالك مكانة مميزة لـ “مركز الأعمال اللاعنفية والاستراتيجيات التطبيقية” (كانفاس / CANVAS)، الذي تم تأسيسه في بلغراد سنة 2003. ويقوم المركز بتأهيل المئات من الناشطين الذين ينتقلون بعد ذلك إلى العمل الميداني. وهؤلاء الناشطون موجودون في العشرات من البلدان. وتعد روسيا واحدة من الأهداف المفضلة لهم.
يعطي موقع كانفاس الإلكتروني الانطباع عن منظمة محترمة تضع في المقام الأول طابعها اللاعنفي المتشدد. لكن عواقب تصرفات هذه المنظمة كانت مدمرة، ودموية، وفي بعض الأحيان دموية جداً. كذلك، يمكن ملاحظة أن مجال عملها يعتبر كبيراً على نحو لا يتناسب مع منظمة صربية غير حكومية متواضعة.
لقد أسسوا سلسلة حقيقية صناعية لتدريب الكوادر وتوجيه السخط الجماهيري، أو سخط مجموعة محددة من السكان. والشعارات التي تطرحها تقليداً لرموز ومظاهر الحركات الثورية التاريخية يتم نقلها من بلد إلى آخر:
تستغل الشعارات العواطف، وتقوم بإبراز التفخيم في الخطاب الأخلاقي: “مسيرة الغضب والكرامة”، “البلد على حافة الحريق”، “الديمقراطية المقتولة”، “لا للفساد”.. إلخ.
وخلال أحداث الميدان الأوروبي في كييف، لم يبدُ الانزعاج على المستشارين الصرب – الأميركيين من إعادة استعمال الملصقات والعبارات والمشاهد البصرية التي تم استعمالها من قبل خلال أحداث بلغراد سنة 2000، والقاهرة سنة 2011.. إلخ.
في مداخلاتنا الأخيرة، تحدثنا عن الغياب الكلي للتدقيق في اختيار القوى الفاعلة في الميدان، فالليبراليون، والطبقات الوسطى المدعومة من البرجوازية الكمبرادورية، وأحزاب اليمين المتطرف، والفاشيون الواضحون، يشكلون خليطاً يتعايش بشكل جيد.
إن المكونات الأربعة للسيناريو التقليدي للثورات الملونة هي:
1. الجماهير الشعبية التي تعبر عن سخطها يتم تأطيرها وتقودها بنىً قائمة (مثلاً، مشجعو كرة القدم، والقوميون، والنازيون الجدد.. إلخ…). وينزلق موضوع الاحتجاج بالاتجاه الذي يرغب به المنظمون دون أن يدرك الناس ما الذي يجري.
2. نواة المحتجين تتمثل بالبرجوازية الكمبرادورية وخدمها (مفكرون، وفنانون، ومدوّنون) الذين يتقاسمون نفس القيم الاستهلاكية. وغالباً ما يكونون أعضاء في المنظمات غير الحكومية الموالية للأمريكيين. وهذه النواة مهمتها تطبيق التعليمات التي تتلقاها عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي.
3. البنى الحكومية (قوات حفظ النظام، ووسائل الإعلام، والاتصالات.. إلخ) يتم الإساءة لمصداقيتها، وحرف اتجاهها، وشلّها، خصوصاً بواسطة الضغط على المسؤولين الذين لديهم ممتلكات وحسابات مصرفية في الغرب.
4. خيانة جزء من النخب الموجودة في السلطة.
إن الثورة الملونة هي إذن تقنية تتيح إدارة الطاقة الكامنة في الاحتجاجات الاجتماعية (والتي غالباً ما تكون محقة) من أجل توجيهها نحو الاتجاه الذي ترغب به القوة الإمبريالية الخارجية. إنها ليست سوى نسخة محدثة عن الانقلابات التي كان يقوم بها اليمين المتطرف قديماً، والتي كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها هم من ينظمها من أجل الإطاحة بالحكومات غير المرغوب بها، والتي كانت بشكل جوهري مؤيدة للسوفييت (باكستان، البرازيل، إيران، إندونيسيا، التشيلي…).

2. الثورات التقليدية: فرق جوهري
ولعدم وجود تعبير أفضل، سوف نطلق صفة “تقليدية” على الثورات التي شكلت تاريخنا، وهي بالنسبة للثورات الملونة مثلما هي المأساة في المسرحيات الهزلية. ولضيق الوقت، لنذهب بشكل مستقيم إلى الأمر الجوهري.
إن الثورات التاريخية هي ذروة صراع الطبقات. يسبقها مسار بطيء من تراكم التناقضات وسط المجتمع: تناقضات بين الطبقات المهيمنة القديمة، المتمسكة بعلاقات الإنتاج القديمة، مع الطبقات التي تملك مشروعاً مستقبلياً، وتسعى لإقامة علاقات إنتاج جديدة. وإن لم يتم انتقال السلطة من طبقة إلى أخرى، فالأمر عبارة عن تغيير بعض المسؤولين المدعومين من مجموعة النفوذ هذه أو تلك (مثلما هو الحال في الثورات الملونة).. لا يمكن أن يكون الأمر ثورة، بل انقلاب، أو ثورة قصر، أو “تغيير نظام”.. إلخ.
لكن الأمر الأكثر أهمية بالمناسبة هو أن الثورة الحقيقية تهدف إلى تطور الإنسان والمجتمع دائماً، وإلى انتقال المجتمع إلى مرحلة أرقى من التطور. ومن المسلّم به، في الظروف التاريخية الواقعية، أنه خلال فترة الغليان الثوري تتقاطع قوى ومصالح مختلفة، لكن القوى البشرية – القوى الفكرية، خصوصاً-  الفاعلة في نويات الثورة هي بالضرورة حاملة لمشروع تقدمي.
ماهو الحال في الثورات الملونة؟ ليس من الصعوبة رؤية أن نوياتها مكونة بشكل حصري من عناصر رجعية. وهذا دون الحديث عن حضور الدور الحاسم للرعاة الخارجيين.
إن منظمي الثورات الملونة، وكل القوى الرجعية، يحلمون بأن يسود أكبر قدر من الارتباك في موضوع الثورات (الحقيقية والمزورة). وهم يعملون من أجل ذلك بكل جدية. ومن الجدير ملاحظة أن الصفة من كلمة ثورة باللغة الفرنسية، أي “ثوري”، تحتفظ بدلالة إيجابية دوماً. حسناً، لم يعد الحال كذلك أبداً في روسيا. بالطبع، فإن الحملة من أجل التشهير بثورة اكتوبر، والتي انطلقت منذ البيريسترويكا، لعبت دوراً مهماً في ذلك، لكن الثورات الملونة ساهمت هي أيضاً بقسط كبير في هذا المجال.

3. روسيا: بعد “الثورة” التي تم إحباطها،
هنالك خطر من اضطرابات جديدة
سوف تجري الانتخابات الرئاسية الروسية في شهر آذار 2018. وهي ستكون بكل تأكيد فرصة من أجل اضطرابات “ملونة”. حدث ذلك سنة 2012. الأمر الوحيد الذي أتاح حينها التصدي للانقلاب كان تأسيس التحالف الواسع “المضاد للثورة البرتقالية” الذي حشد في الشارع، في اجتماع جبل بوكلونايا، أضعافاً مضاعفة للحشد في التجمعات “الملونة”. على رأس ذلك التحالف كانت حركة “جوهر الزمن” وقائدها سيرغي كورجينيان. تم إحباط “الثورة” وتبددت حشود المحتجين تدريجياً.
إن أعمال الشغب المتوقع حدوثها تحمل في طياتها خطر أن تكون أكثر عنفاً وأكثر تطوراً من ناحية تنظيمها.. ومنذ أكثر من سنة، نشهد في روسيا نشوء تحالف بين الليبراليين والقوميين الفاشيين المحليين. إن المنظمات على شاكلة كانفاس لديها خبرة واسعة في العمل مع تحالفات ثنائية من هذا النوع، فقد تعاونوا، في أوكرانيا، عن قرب، مع المحتجين اليساريين مثلما تعاونوا مع الفاشيين الصريحين من جماعة القطاع الأيمن وأشباههم. اليساريون يتكفلون بالجزء السلمي من السيناريو فيما ينتقل اليمينيون إلى الفعل الميداني بعد الاستفزازات الدامية.
تتزايد الهجمات ضد السلطة، وهي لا تأتي فقط من المعارضة الليبرالية ذات النفوذ الضئيل والمكروهة، بل من عدة جهات، بما فيها من داخل النخب الموجودة في السلطة.
علينا أن نكون مستعدين للرد بطريقة حازمة وفعالة.

4. استراتيجية النخب الغربية:
نحو تغيير النظام العالمي
استراتيجية الفوضى، التي نسمع الكثيرين يتحدثون عنها، هي أبعد عن اختزالها في الفكرة البسيطة عن بث الفوضى في معسكر العدو.. إنها تشكل جزءاً من مشروع يهدف إلى إعادة تنظيم عميقة للنظام العالمي. وهنالك عدة عوامل دفعت النخب الغربية للنظر في إعادة التنظيم هذه، خاصة التطور السريع للمنافسين الجدد (الصين بشكل خاص)، والنقص في عديد القوات  للحفاظ على التفوق الأميركي، وهو الأمر الذي أثبتته الحروب في العراق وأفغانستان (فجأةً وقع الخيار على إحلال الفوضى مكان النظام)، والخشية من إعادة تقويم الذاكرة حول الحقبة السوفييتية في بلدان أوروبا الشرقية وغيرها من مناطق العالم.. إلخ.
إن مبدأ إعاقة، أو منع تطور، المنافسين المحتملين ليس جديداً، بالطبع، بالنسبة للولايات المتحدة. ففي كتابه “المائة سنة القادمة: سيناريو للقرن الحادي والعشرين”، الصادر سنة 2009، كتب جورج فريدمان، مؤسس مركز ستراتفور الاستخباراتي:
“بعد أن تبلغ الولايات المتحدة أهدافها الاستراتيجية بشكل منهجي، يجب أن يكون هدفها النهائي الحيلولة دون بروز أية قوة عظمى في منطقة أوراسيا. المفارقة  تكمن، مع ذلك، في الأمر التالي: لم يكن الهدف من هذه التدخلات تحقيق (تطوير) شيء ما أبداً – بغض النظر عن الخطاب السياسي – بل إعاقة شيء ما. إن الولايات المتحدة تريد إعاقة الاستقرار في المناطق التي يمكن أن تبرز فيها قوة عظمى أخرى، ولن يكون هدفها تعزيز الاستقرار بل زعزعته”.
المضمون هو ذاته دائماً، أما الجديد فهو طريقة التنفيذ، ومجموعات الإسناد، والخطاب، وكذلك الطابع المصطنع للحدث.
وفيما يخص مجموعات الإسناد، فالمقصود بشكل خاص هو الدور المنوط بالطبقات الوسطى، حيث ورد في تقرير وزارة الدفاع البريطانية الذي يحمل عنوان “اللامساواة الشاملة”، والصادر سنة 2007: “من المحتمل أن تزداد المسافة بين الأغنياء والفقراء، وأن يستمر الفقر المدقع كتحدٍ عالمي (…). إن الفقر المدقع وعدم تكافؤ الفرص سوف يزيدان من حدة الشعور بالظلم في أوساط أولئك الذين أصيبت آمالهم بالإحباط، ما سيفاقم التوترات وعدم الاستقرار (…)، ويمكن أن يقودان أيضاً إلى بروز ليس فقط الإيديولوجيات المعادية للرأسمالية – وهي عادة ترتبط بالحركات الدينية والفوضوية والعدمية – بل إلى بروز الشعبوية، وإلى ولادة جديدة للماركسية.
“إن الطبقات الوسطى يمكن لها أن تتحول إلى طبقة ثورية تقوم بالدور الذي كلف ماركس الطبقة البروليتارية القيام به (…). يجب على الطبقات الوسطى في العالم أجمع أن تتحد، وأن تصنع المسارات العابرة للدول بحسب مصالحها الطبقية، وباستخدام كفاءاتها، وقدرتها على الوصول إلى المعارف والموارد”.
نترك لكم الإعجاب بفن المحاججة المتعرجة. ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ أنه، خلف الهذر، يمكننا فهم أن الطبقات الوسطى مدعوّة لاسترجاع وتحويل الطاقة المتولدة عن السخط الجماهيري لمصلحتها الخاصة على المستوى العالمي.
من الأكيد أن الطبقات المتوسطة ليست نافعة إلا من أجل إطلاق الاحتجاجات. وحين يبدأ الوضع بالالتهاب، تأتي قوى أخرى، تمتلك طاقة أكبر بكثير (الجهاديون، والنازيون الجدد…) لتكمل المسيرة، وبعدها يتم تعليب القضية، مثلما كان الحال في أوكرانيا وسورية وليبيا والعراق ومالي.
إن العمل الجاد، في مجال تبني النظريات العلمية حول الفوضى في المجال العسكري والسياسي، قد بدأ في معهد سانتافي، الذي تأسس سنة 1984، وهو متخصص في دراسة الأنظمة المعقدة. كتب ستيفن مان، الديبلوماسي الرفيع والمحلل السياسي، والذي عمل على مفهوم “الخطر المنظم تلقائياً”، وهو مفهوم تم تطويره في هذا المعهد: “إن وصفنا للعالم في الوقت الحاضر من ناحية الخطورة لا يعطينا المعلومات حول الاستخدام الممكن لهذه الخطورة. مع ذلك، فإن التوصية التي بإمكاني إعطاؤها هي أننا بحاجة إلى أن نكون منفتحين على طرق تسريع واستغلال الخطورة إذا كان ذلك ضرورياً لمصالحنا الوطنية، مثلاً تدمير الجيش العراقي ودولة صدام حسين. المفتاح هو المصلحة الوطنية وليس الاستقرار العالمي. في الواقع، لقد استخدمنا، من قبل، مقاربات سياسية ساهمت في زيادة الفوضى، عن وعي أم لا، حين شجعنا على الديمقراطية، وحفزنا إصلاحات السوق، وطورنا الاتصالات الجماهيرية، عن طريق القطاع الخاص”.
لنوجز: إن الغرب، إذن، بقيادة الولايات المتحدة، بحاجة إلى مناطق من الفوضى والتراجع، ودونها لا يمكنه فرض هيمنته. لكن أليس الغرب نفسه في خضم الفوضى والتراجع؟ ارتباك في المفاهيم، وتدمير للتعليم، وفقدان للذاكرة التاريخية، دون الحديث عن الجانب الاجتماعي… الفرق فقط أنه مسار أكثر هدوءاً.
في الإطار النظري، الذي طورته حركة “جوهر الزمن”، فإن هذا التفسخ البطيء يحمل اسم “ما بعد الحداثة”. إن “ما بعد الحداثة” هي تكييف للحياة على أنقاض الحداثة التي هدمتها. وهنالك بعض الدول الصاعدة، الصين في المقام الأول، لا تزال موجودة ضمن إطار الحركية التقدمية للحداثة، ولذلك يتم النظر إليها كدول منافسة خطيرة جداً.
ومن أجل الاستمرار في التسلط، تقوم “ما بعد الحداثة” بإثارة الفوضى في مناطق واسعة مترابطة، وتسمح بصعود القوى المضادة للحداثة فيها، أي عملاء الرجعية المتسارعة (خصوصاً الإسلاميون أو النازيون الجدد). كذلك فإن الغرب يعتمد حتماً عليهم لاستعمالهم يوماً ما ضد الحداثة الباقية (الصين وغيرها). ولهذه الأسباب يقوم التحالف الغربي بمحاربة “الدولة الإسلامية” (داعش) في الظاهر، بينما يدعمها في الخفاء.
هذا التدهور المضاعف السرعة لا يمكن تجاوزه إلا بواسطة مشروع فوق حداثوي، وهو ما تناضل من أجله حركة “جوهر الزمن”. وفي قلب هذا المشروع توجد فكرة تقدمية عن الإنسان سوف نتحدث عنها في الجزء التالي، وكذلك توجد التجربة التاريخية للاتحاد السوفييتي، تلك التجربة التي يجب تحديثها وتخليصها من بعض نقاط الضعف والأخطاء التي أدت إلى سقوطها.

5. طريق التجاوز:
اليسار والإنسانية البروميثيوسية
إن تشغيل الثورات الملونة يتطلب، كما رأينا، استعادة شعارات ومواقف اليسار الذي كان تقدمياً وثورياً في وقتٍ مضى. ولهذه الخدعة مفعولان: من جهة هي تسمح بالتقاط طاقة الاحتجاج، ومن جهة ثانية تسيء وتسخر من هذه المواقف والشعارات، وبالتالي تعطيل هجوم اليساريين المحتمل، والذي يوحّد الصفوف. ولن يحتفظ المناضلون القدامى سوى بعبوس مرّ الطعم لخيبة الأمل.
في فرنسا، لم تحدث ثورات ملونة، لكننا حصلنا على الحق برؤية جاك أتالي وهو يتخذ مواقف “يسارية”، وبرؤية برنار هنري ليفي وهو يطلق الصرخات دفاعاً عن الحرية والديمقراطية، وحصلنا على فترة هولاند الرئاسية، وعلى ميلانشون الشجاع وغيره من المقاتلين من أجل أفضل الأشياء. علاوة على ذلك، حصلنا على أيار 68 الذي يعتبر النذير للثورات الملونة (“أحداث طلابية هزلية”، كما كان يقول دي بروج.. هل كان مخطئاً؟).
ومثلما كتب كلود زيلمان مؤخراً في رسالة جماعية، فـ “إن النيوليبرالية قد ألغت الديمقراطية بواسطة اليسار”. لقد قامت النخب والمفكرون في الغرب بزراعة دودة إيديولوجية في داخل جسم الحركات اليسارية.. إنها دودة “الحرية” الشخصية والمجتمعية، دودة الاعتدال، دودة المتعة القصيرة الأجل، والسعادة الفردية، والحقوق والحريات الاستهلاكية، والتخريب، وأخيراً، دودة التراجع (لكن ليس تراجع التطور البشري والتعليم وبناء المستقبل…). المسألة هي في معرفة من أين أتت هذه الدودة بالضبط، ولكن الإجابة سوف تأخذنا بعيداً جداً.
إن اليسار في الدول الغربية مصاب بالتسمم بشكل خطير بسبب هذا الطفيلي الذي يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن العبثية والتضارب في الحملات السياسية في السنوات الأخيرة. ويتوجب البحث عن المعنى الكارثي الجوهري لهذا المرض في مقولة “رؤيا الإنسان” التي تهيمن اليوم في المجتمع، والتي تم فرضها من قبل النخب الحاكمة والمثقفين التابعين لها.
هذه الرؤيا للإنسان رجعية بشكل عميق، لأن الإنسان، كما تراه، شرير بالأصل، ولا يمكن تقويمه، كما أنه غير قابل للتطور. غرائزه البدائية ودوافعه وحاجته للتكيف هي العوامل التي تحدده بشكل كامل… وفي هذا الصدد، لا يوجد أي خلاف بين النيوليبراليين والمحافظين الجدد وفاشيي الأمس واليوم، والبيئيين وغيرهم من اليساريين الأوروبيين.
سنة 1932، كتب ليوشتراوس، وهو مفكر يهودي ألماني هاجر إلى الولايات المتحدة، وله نفوذ في أوساط المحافظين الجدد خصوصاً، في رسالة إلى الحقوقي النازي كارل شميت: “القاعدة النهائية في القانون هي مبدأ الشر الطبيعي في الإنسان، [و] لأن الإنسان سيء بالطبيعة فهو بجاجة لأن يتم إخضاعه. يمكن فرض الخضوع، أي توحيد البشر، ولكن توحيدهم يتم فقط ضد بشر آخرين”. إن النخبة، بحسب شتراوس، يجب أن تحكم عن طريق التلاعب بالجماهير الساذجة من خلال “الأكاذيب النبيلة” [هل نحن بعيدون عن ممارسات منظمي الثورات الملونة؟]،
رغم أنه كان لليسار في السابق رؤية أخرى تماماً عن الإنسان: “إن التاريخ الإنساني ليس سوى الجهد المتواصل من أجل الابتكار، والارتقاء المتواصل هو الابتكار المتواصل” (…) “ما هو المثل الأعلى؟ إنه ازدهار الروح الإنسانية. ما هي الروح الإنسانية؟ إنها زهرة الطبيعة الأكثر سمواً” (…) “الشجاعة هي الفعل وتكريس الذات من أجل القضايا الكبرى دون معرفة ما هي المكافأة التي خصصها الكون العميق لجهودنا، ولا معرفة إن كان هنالك من مكافأة أصلاً”. كل تلك الكلمات تعود إلى جان جوريس (مؤسس الحزب الاشتراكي الفرنسي – المترجم). وإذا نظرنا ناحية كارل ماركس، نجد أنه بالنسبة إليه، فإن “الانعتاق الإنساني” هو الغاية الحقيقية للمجتمع.. هذا الانعتاق (الذي لا يتطابق مع الانعتاق السياسي) ليس سوى تحرير الطاقات الخلاقة لدى الإنسان. إن هذا ما يمثل، بحسب ماركس، “القفزة من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية”.
إن النزعة الإنسانية التي تؤمن بالطاقات الخلاقة للإنسان هي النقيض تماماً لتلك الإنسانية التي ترتكز على “الرفاهية” أو “السعادة”، وهما باختصار شيء دنيوي. وهنالك عدد قليل من المفاهيم التي تم التلاعب بها وتمزيقها وتشويهها، كما حصل لمفهوم الإنسانية، حتى أن شخصيات مثل برتراند راسل، وأبراهام ماسلو، وأوبورهوس سكينر- وهم من كبار المبشرين باللامساواة وبكراهية الإنسان – يتم تقديمهم، في خاتمة المطاف، على أنهم من أهم الإنسانيين في القرن العشرين.
إن حركة “جوهر الزمن” ترفض هذه “الإنسانية” المنحرفة التي تسعى إلى وضع الإنسان في كانتون من تلك الاهتمامات الصغيرة، كانتون يتمحور حول النجاح والمشاعر الشخصية. وتدعو الحركة إلى الإنسانية البروميثيوسية التي تعتبر الإنسان كائناً حراً وخلاقاً يحب أن يرتقي ويتطور، على المستوى الفردي والجماعي على السواء. وترى هذه الإنسانية أن التطور والتقدم الإنساني (وليس التكنولوجي) يجب أن يكون هدف المجتمع.
إن الثورات الملونة التي تتوسل السخط الاجتماعي، ومن ثم تهدم بلدانا بكاملها، تعمل كأدوات فعالة بيد الرجعية. وفي الوقت نفسه، تم وضع بعض الأدوات الأخرى في داخل البلدان الغربية ذاتها، مثلاً تدمير التعليم والوحشية الإعلامية أو ما يسمى صناعة التسلية. وقد تم تصدير تلك الأدوات بشكل فعال إلى بلدٍ مثل روسيا. يضاف إلى ذلك بعض العناصر الأخرى شديدة الضرر، مثل التشريع الخاص بمحاكمة القاصرين الذي يدمر العائلة، ويفرض عليها رقابة خارجية تحت التهديد بسحب الأطفال، ويسبب الانقطاع في التواصل الثقافي بين الأجيال. لكن مثل هذا الانقطاع يعد عاملاً مسرعاً بشكل كبير للنكوص. يجب الانتباه إلى أن التراجع هو الشرط الأولي لعدم المساواة الجوهرية في المجتمع. إن القوى التي ترتكز على الرؤيا السلبية والرجعية للإنسان تعمل بالضرورة من أجل منظور عن مجتمع مستقبلي مكون من الطوائف، حيث يتم اختزال الغالبية إلى حالة شبه حيوانية، وحيث يتم استغلال الجماهير المتروكة لغرائزها البدائية بحقد وتسلط غير مسبوقين.
من أجل مواجهة خطر المحاولات المستقبلية لأعمال الشغب الملونة (المتوقع حدوثها في روسيا بحلول سنة 2018، بمناسبة الانتخابات الرئاسية)، ومن أجل تجنب مزالق الانحرافات المجتمعية اليسارية، ومن أجل الوقوف سدّاً أمام التدمير المتزايد للمجتمع، أطلقت حركة “جوهر الزمن” نداءً من أجل تأسيس تحالفٍ لليسار المحافظ. صحيح أن التعبير قد يترك الانطباع بالتناقض. لكنه على صورة الوضع السياسي الحالي المتناقض وغير المسبوق. وهذه الخطوة تمثل رداً على توسع الإمبريالية العالمية التي تستخدم يساراً خانعاً كآلة للتشويش، وحرف المسار، والحطّ من قيمة الإنسان. إن قيمة هذا النوع من المفاهيم لا يمكن التأكد منها إلا من خلال الممارسة. وهذه القيمة تتأكد على مسرح المعركة السياسية الروسية، بشكل تام. إن هذا النداء يتوجه أيضاً إلى الشعوب الأخرى، وخصوصاً للفرنسيين. إن النضال في القرن الحادي والعشرين هو النضال من أجل الإنسان، ويمكن لليسار المحافظ أن يكون دعامته الصلبة.

سيلستين كوموف دكتور في تاريخ الفن، عازف موسيقي، وإيلينا برنارد صحفية تعمل في وكالة روسابريمافيرا الروسية للأنباء، والاثنان ينتميان إلى حركة “جوهر الزمن” الروسية ومقرها موسكو

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد