الفاشية الدينية ملاذ إسرائيل الأخير قبل الانحدار

إسرائيل ليست كما يتوهم الانهزاميون والمستسلمون بأنها قوة سوبر لا يأتيها الخوف من تحتها أو فوقها أو من على يمينها أو يسارها، أو كما تحاول إيهام الآخرين به. هي كالقاتل المدجج  الملاحَق من ضحاياه والمأزوم أيضاً، وجدت نفسها ضمن دائرة  جهنمية، فمن جهة تدفعها قوتها لتحتل وتغتصب أراضي وحقوق الآخرين، ومن جهة أخرى لا تستطيع أن تغمض عينيها عما يجري حولها، خوفاً من ضحاياها المتربصين بها، استسلامهم  لها لا يطمئنها بل يضاعف مخاوفها مما يجول في رؤوسهم من نوايا، ومقاومتهم لها تؤكد مخاوفها منهم وأنهم لم ينسوا.
إسرائيل ليست خارج القانون الخلدوني في الانحطاط، بل هي التي ينطبق عليها أكثر من غيرها، لكن انحطاطها لن يؤدي إلى بقائها بوزن أو دور أقل، كما الدول الطبيعية التي تكون كبرى يوماً ما وتصبح عادية بعد أن فقدت قوتها ووسائل تأثيرها، بل يعني نهايتها.
إسرائيل هذه تخشى من رواية تحكي قصة حب بين فلسطيني وإسرائيلية، وليهدأ الأنتي تطبيع قليلاً فليست إلا قصة رمزية، ألفتها كاتبة إسرائيلية وسُمح بتدريسها بالمدارس، ليصدر قرار آخر بعد بضعة أسابيع فقط بمنعها بدعوى أن الطلاب في هذا السن غير مهيئين لها، فيما عبرت دوريت رابينيان مؤلفة الرواية عن صدمتها واعتبرت المنع مثيراً للسخرية. وقالت: إن قرار وزارة التعليم بإلغاء “جدار حيّ “، وهذا هو عنوان الرواية، أمر ساخر في حقيقة أن رواية تواجه الرعب الإسرائيلي من الاندماج في محيطها يُحكْم عليها، أي على الرواية، بالرفض بالذات بسبب ذلك الرعب.
وهذا الرعب الذي نوهت إليه الروائية الإسرائيلية يتخذ أشكالاً مختلفة في الواقع، فمثلاً في ضوء الرفض الإسرائيلي الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم، وبالتالي انفصالهم عنها، خشية منهم وطمعاً في أراضيهم، تجد إسرائيل نفسها أمام مأزق: بين أن تضم الضفة والقدس وما عليها من فلسطينيين يزيد عددهم عن الثلاثة ملايين نسمة، عدا فلسطينيي العام 48 وغزة وعددهم يفوق الثلاثة ملايين ونصف، فتصبح أمام خيارين أحلاهما مرّ، بين تهديد وجودها إذا ساوتهم  بمستوطنيها فيزول طابعها اليهودي، وبين أن تتحول إلى كيان فصل عنصري يجلب عليها اللعنات والإدانات والشجب من كل حدب وصوب وتضعها شيئاً فشيئاً على سكة إزالة الشرعية عنها وبالتالي تعريض وجودها في المنطقة للخطر.
وفي مواجهة هذا المأزق ترفض إسرائيل كل الحلول والتسويات مع الفلسطينيين، ومنها حل الدولتين، مع تفضيلها الحفاظ على الوضع الراهن – رغم ما فيه من أخطار تتمثل بتصعيد الفلسطينيين لمقاومتهم ضدها – والضغط عليهم لإجبارهم على إلغاء أنفسهم بأنفسهم من خلال الاعتراف بها كدولة قومية للشعب اليهودي وعلاقته التاريخية المزعومة بفلسطين، وهو ما يلغي  حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم الذي هُجِّروا  منه، ويهدد وجود فلسطينيي العام 1948 في وطنهم والذين يزيد عددهم عن المليون ونصف، بل ويهدد أيضاً وجود فلسطينيي الضفة والقدس، التي مازالت إسرائيل إلى الآن تطلق عليها يهودا والسامرة  وأورشليم وتعتبر الأخيرة عاصمتها الأبدية. ويعني هذا أن يتحول الفلسطينيون في وطنهم من أصحاب الأرض إلى مجرد سكان نسيهم الزمن، ومستمرون  بفضل الكرم الإسرائيلي عليهم، ودون أن يكون لهم أي حقوق على الأرض التي يقيمون عليها، بل ومهددون بالترحيل في أي  وقت وحالما تتوفر الظروف المناسبة.
وعندما لم تجد إسرائيل من بين الفلسطينيين مَنْ يقبل بمطالبها وتخريفاتها هذه ، تحاول الآن تأكيد يهوديتها بنفسها عبر إقرار ما يسمى “قانون القومية اليهودية ” بتعريف نفسها بأنها “دولة يهودية ” و”البيت القومي لليهود “. والملاحظ في مشروع القانون هذا، الذي ستجري مناقشته في “الكنيست ” في الأيام القادمة، تفضيل “يهودية الدولة ” على ديمقراطيتها، واقتصار ” حق تقرير المصير للبلاد على الشعب اليهودي وحده” بحسب مشروع القانون، بل وأكثر من ذلك فإن الطاقم الذي يشرف على إعداد نص القانون قد درس إمكانية حذف أي ذكر للديمقراطية.
وهذا النقاش نحو حذف الديمقراطية، التي طالما تباهت بها إسرائيل في العالم ، أو تهميشها على الأقل، يكشف عن توجه مجتمع المستوطنين نحو الفاشية كملاذ وملجأ أخير في مواجهة مأزقه الوجودي وأزماته الداخلية. وكان قد أشار رئيس كتلة “المعسكر الصهيوني “والمعارضة الإسرائيلية يتسحاق هيرتزوغ  إلى ذلك بقوله: إن النظام الديمقراطي في كيانه على المحك ويواجه تحديات، محذراً من الفاشية التي تجتاح المشهد السياسي الإسرائيلي، مؤكداً أن جميع  الشرائح من كتاب وفنانين وصحافيين ورجال قانون وقضاة مهددون وملاحقون في ظل الانحدار الذي يعصف بكيانه، موضحاً أن الحكومة الحالية تهدد الفنانين وقضاة المحكمة العليا وتهدد الصحافيين وتطردهم، حتى الأكاديميين وأساتذة الجامعات يتعرضون حالياً للتهديد ويخشون فتح أفواههم.
وإذا كان هيرتزوغ حذّر من الفاشية التي تهدد كما قال النظام الديمقراطي في إسرائيل فإن الصحافي يوسي كلاين وسم هذه الفاشية بالدينية، حيث حذّر من  تنامي خطر الصهيونية الدينية واعتبرها أكثر خطراً على وجود كيانه من حزب الله وعمليات الطعن والدهس التي يقوم بها الفلسطينيون والذين بالإمكان تحييدهم كما قال، لكن المتدينين القوميين أخطر، كما يضيف، لأنهم “يريدون السيطرة على الدولة ويتغلغلون في أجهزتها ويزدادون قوة وتأثيراً في الجيش ويؤثرون في القضاء، وهم في الطريق إلينا .. لحظات ويقتحمون بيوتنا “. وقد أثار المقال موجة غضب واسعة بين قادة سياسيين كبار، وكان نتنياهو أول المنددين به وطالب صحيفة هآرتس التي نشرت المقال بالاعتذار من جمهور المتدينين.
والمثير أكثر والذي يحمل مؤشرات ببدء انحطاط كيان المستوطنين، وفق القانون الخلدوني، هو ما جاء في تقرير لوزارة المال الإسرائيلية حذّر فيه  من ازدياد أعباء الدينيين المتشددين أو الحريديم  وضغطهم على الاقتصاد مع تكاثرهم الديمغرافي، واستثنائهم من الخدمة في الجيش وعدم التحاق معظمهم بسوق العمل .
وخلص باحث إلى القول بأن الارتفاع المتواصل للحريديم بات حقيقة ناجزة لا يمكن الدخول فيه لأسباب دينية قد تتسبب في ثورة الحاخامات ومؤيديهم وشكك بأي تغيير على حالهم يخفف أعباءهم على الاقتصاد في المستقبل المنظور.
هكذا يبدو واضحاً اتجاه مجتمع المستوطنين المتزايد نحو الفاشية الدينية كملاذ آمن لحماية ذاته في مواجهة مأزقه مع الفلسطينيين ومخاوفه الوجودية وتزايد مؤشرات انحطاطه، وما يرافق ذلك من غلبةالنهج العسكري والأمني العدواني على ردود فعله.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.