ســلـمــان.. وحسابات اللحظة الأخيرة

بسام هاشم :جريدة البعث

دقّت ساعة الحساب، والأسرة الحاكمة السعودية تصطف لدفع فاتورة طويلة وباهظة من الخيارات والسياسات والاستراتيجيات العبثية والمدمّرة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. ورغم أن هناك من يحاول إضفاء طابع إصلاح الفرصة الأخيرة على قرارات وإجراءات سلمان وولي عهده، إلا أن المسألة لا تتعدّى حتى الآن كونها، في العمق، مجرد حلقة جديدة ومستعادة من تصفية حسابات اللحظة الأخيرة، مع الداخل والخارج، وعلى الطريقة السعودية المعروفة بكل ما فيها من سلطوية واستهتار وتعسّف وارتجال في القراءة. ولن يكون من الصعب تقبّل مثل هذا الطرح، فالعرّاب الأكبر يبقى سلمان، الملك، بتطرّفه وغطرسته، وبـ “يقينيته” الإيديولوجية الوهابية في صميمها، والتي تؤهّله وحده، ودون غيره، للوقوف في وجه المؤسسة التكفيرية المتجذّرة في الشارع، إن كان هناك شارع، وفي الدولة، إن قبلنا افتراضياً أن هناك دولة، وذلك بصفته ربيبها السابق الذي ترعرع في أحضانها، وعقلها المدبّر الخبير بخفاياها والعارف بنقاط ضعفها، وليس هو الأمير الشاب، “بن” سلمان، حتى الآن، وليس محمد، كما تفترض على الأقل الواجهة الحداثوية التي يجري الترويج له، من خلالها، في أوساط الغرب، وفي بطانة ترامب حصراً، وبين الأجيال “الشابة” السعودية البائسة، ضحية والده ومليكه وحامله إلى العرش، والتي شكّل التخلي عن مقاعد الدراسة، وعن الأهل، للالتحاق بـ “الجهاد العالمي”، والتجنّد في خدمة تصدير الإرهاب، وتنفيذ العمليات الانتحارية في الخارج، أقصى أمانيها وطموحاتها طوال العقدين الأخيرين.
ليست تلك خطوة مدروسة لرجل قوي يمتلك برنامجاً واضحاً، كما تشيع صحافة المحافظين الجدد في أمريكا. هي بالأحرى حركة استباقية متهوّرة قد تفتح الصندوق الأسود لتاريخ طويل من حكم العائلة برمتها؛ وقد تشرع أبواب المملكة العجوز، ومن دون استئذان، على “الربيع” الذي طالما أجرمت وقتلت وموّلت وسلحت الإرهابيين في دول الجوار لكي تبقيه خارج حدودها. ولكنه اليوم خيار شمشون الذي يجازف بتحطيم السعودية ذاتها، والذي يتأسس على معضلة شبه مستحيلة تفترض، أقله، ضرورة تغيير الحقائق والمعادلات الداخلية والإقليمية مجتمعة، ودفعة واحدة، على مذبح إصلاح، لربما فات أوانه، للمملكة المهزومة أمنياً وعسكرياً على أكثر من جبهة، والمفلسة مالياً جراء حروب ومغامرات لطالما اعتاش الأمراء والمخدومون والحلفاء والأتباع على فساد صفقات سلاحها، والمضعضعة اجتماعياً وأخلاقياً بفعل نفاق وتلوّن سلطتها الدينية، ولا تتهيب اليوم من اقترف أكبر المحرمات، وتجاوز أخطر الخطوط الحمر، أملاً بالإمساك بزعامتها المنهارة، متوسّلة التحالف مع “إسرائيل” بأي ثمن، ومنخرطة في مشاريعها العدوانية في المنطقة.
لا تتطلّع مملكة سلمان إلا إلى إصلاح يلبي احتياجاتها ومتطلباتها لنقل السلطة، وقد وصل هوسها بإمكانية الاستحواذ على هذا الهدف درجة توهم القدرة على قلب حقائق الصراع في الشرق الأوسط، والانقلاب على مفاهيمه التاريخية والتأثير في معادلاته الاستراتيجية، وإلى الأبد، من خلال جر الشعب السعودي والرأي العام في الخليج العربي، وفي دول المنطقة، لبناء إجماع جديد على صورة وهوية عدو مختلق، هو كامل محور المقاومة هذه المرة، بل والإمعان في حروب الوكالة حد تحريض “إسرائيل” على الحرب ضد لبنان والهجوم على إيران، بعيداً عن أدنى استيعاب لفشل تجربة التعاون والتنسيق المشتركة مع الصهاينة ضد سورية.
لقد أدمنت السعودية تصدير الإرهاب بهدف إرجاء حل مشكلاتها الداخلية السياسية والاجتماعية والإيديولوجية، وهي اليوم تشعر بالحاجة إلى تغيير كامل الشرق الأوسط بغية تمرير مشروعها في الإتيان بمراهق حالم غض الخبرة وضعيف القاعدة السياسية ليكون الأول وسط مجرة هائلة من الأمراء والطامحين وأصحاب النفوذ والمطالبين بالشرعية، والسيد على مملكة لا تخرج أساساً عن حقيقة كونها شركة عملاقة تتداخل فيها، وعلى نحو وثيق، المصالح الشخصية لأفراد وزبانية العائلة المالكة بمصالح الرأسمال الغربي والامبريالية العالمية؛ ولكن المشكلة أن “إسرائيل” غير مستعدة لحرب متهورة قد تكون آخر الحروب في المنطقة هذه المرة، وأن ترامب غير معني إلا بحصد ما يمكن أن تسفر عنه هذه المعمعة من عمليات سطو ومصادرة وحسابات مجمّدة ووعود بتسجيل آرامكو في البورصة النيويوركية، فيما تجربة أردوغان الانقلابية ليست أنموذجاً، ولم تؤكّد جدواها على صعيد تحييد المنافسين والخصوم وإنجاز استحقاق التفرّد المطلق بالسلطة، علاوة على أن المسار التاريخي لشرق أوسط ما بعد فشل الحرب على سورية يشق الطريق واسعاً أمام تيارات التحرر والانعتاق من الرجعية والاحتلال والهيمنة الأجنبية.
لن ننتظر إصلاحات سلمان وولي عهده، الأولى أن نترقب أين ستنتهي العدوى، وأين سيستقر مفعول الدومينو الذي سيجر بقية مشيخات النفط نحو الدائرة نفسها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.