حكاية جندي سوري حوّل كمينه في نفق حي جوبر إلى متحف من المنحوتات

اختارت الحياة لمهند – خريج المعهد البحري في اللاذقية – طريقا مختلفا عن ذلك الذي رسمه يوما لنفسه عندما كان يجول العالم على متن سفينة مستكشفا بنظرته الفنية الثاقبة جل متاحف أوروبا، التي عقد العزم على الاستقرار فيها ليتابع عن كثب دراسة فنون النحت في أكاديمياتها بعدما مهد لذلك بدراسة مبدئية في أحد معاهد دمشق الفنية.

مهند.. مقاتل يدافع عن وطنه

كان هذا هو مخطط مهند وقد بدا حلما قريب المنال بعدما وصلته الموافقة على الإقامة في إيطاليا البلد الطاعن في الفن والجمال. بدا مهند حينها مشروع فنان يوشك ان يقتحم العالمية من أوسع أبوابها .. لولا أن أبوابا أخرى أحن وأغلى على قلبه طرقها خطر داهم هي أبواب وطنه سوريا ما اضطره لتجميد أحلامه الفنية مؤقتا ليلتحق بجملة المدافعين عن أحلام وطن أوشك أعداؤه أن يسرقوا كل ذكرياته الجميلة ومعها مسارح الطفولة الرائعة.. هناك حيث جلس مهند يوما يتأمل.

ومهند.. الفنان الذي يحفر بأنامله عن حلمه بالوطن

الوطن قبل أي اعتبار آخر
سريعا سحب مهند مبلغ الأربعة آلاف يورو التي كانت الضمان الصحي لإقامته في إيطاليا والتحق بالخدمة الاحتياطية في الحرس الجمهوري. ومهند عاشق الحياة وحليف النور اختارت له الحرب الملعونة أن يستقر في نفق تحت الأرض في جوبر شرق العاصمة دمشق حيث يتسيد الظلام المشهد.
كانت حرب الأنفاق على أشدها بين الجيش السوري والمرتزقة المتمولين من دول إقليمية مجاورة، كل تقصير في الحفر قد يكلف الكثير والأذكى من يفجر النفق في غريمه قبل ان يبادره غريمه إلى ذلك فيكون كمن يحفر قبره بيده، لكن الجمال المتوثب داخل مهند أبى أن يبقى رهين العتمة في الأنفاق، فها هي الصخور البيضاء داخلها تغريه بأن يمرر أنامله السحرية على جسدها البارد ليبعث فيها دفء الحياة، ويحيلها قطعا فنية تروي قصصا وحكايا وتوثق لبطولات لن يسمح الفن للنسيان بأن يغمرها بعباءته السوداء.

ينير الانفاق بالفن

عندما توثق البطولة
يؤكد مهند في حديثه لـ “موقع العهد” أن “طبيعة المعارك التي خاضها مع زملائه في الأنفاق ونجاتهم من الموت المحقق أكثر من مرة والإصابات الثلاث التي لحقت به وبينها واحدة بالغازات السامة دفعته لمحاولة توثيق بطولات الجيش العربي السوري على الصخور الراسخة والثابتة كثبات الجندي السوري في مواقعه”. مشيراً الى أنه كان “يستغل فرصة الاستراحة لنصف ساعة بعد ساعتين من الحفر المتواصل في النفق ليقوم بالنحت مدفوعا بذائقة فنية تمكنه من استخلاص الجمال من مكامن القبح والعتمة والضجر ليشعر بعدها بأن النفق قد استحال إلى آفاق مفتوحة مسكونة بالبهجة والحب والأمل القادم على جناح انتصار”.
يشعر مهند بالغبطة وهو يرى انعكاس لوحاته الفنية على معنويات زملائه في الميدان، تجلى ذلك في مبادرتهم إلى نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الذي لم يطف ذلك بخاطره، فلقد كان ينحت ويرسم لمجرد إرضاء ذاته وحبا بزملائه وللوجدانيات المتعاورة على سكينته ولم يخطر بباله أننا سنقتحم عليه عوالمه المتمردة على “ضيق أدوات الفن في ساحة المعركة” لنبسط أمام القراء سيرة الفنان المقاتل أو المقاتل الفنان كما يفضل أن ندعوه تقديما للوطن على كل شيئ والذي لم يشعر بأن حياته ولدواع متعلقة بنزعة الحياء والتواضع البادية على محياه و”التي تعيش معترك الصراع اليومي مع مرتزقة العدوان” ستسمح له بأن يمارس “استعراضا فنيا..حتى ولو كان مستحقا”.

منحوتة المقاتل في الجيش السوري الخالد كصخور سوريا

سألناه كيف يمكن للفنان أن يتعايش مع فكرة الموت وكيف ينظر إلى من يودون اختطاف حياته؟
في إجابته طغى المقاتل على الفنان في داخله وإن لم يدفعه ذلك إلى إغلاق الباب على حل ما “إنهم خصومنا ويمكن لنا من موقع القوة فقط أن نركن وإياهم إلى التسويات والمصالحات ولكن عند احتدام المعارك أنا مضطر أن أنسى الجانب الإنساني، لأنها الحرب في النهاية”.
ثمن لم يذهب هدرا
عندما فرغ مهند من نحت إحدى الأيقونات الفنية داخل النفق الاعتراضي الذي حفره  وزملاؤه في مجموعة خرق الأنفاق المعادية، وجدوا أنفسهم مضطرين لتفجير هذا النفق بما يحتويه من “جمال” بعدما داهمه “مرتزقة القبح وأبناء الليل”. يذكر مهند كيف استأذنته نظرات رفاقه المنكسرة حياء منه في تفجير النفق الذي صب فيه خلاصة إبداعه، شكرهم على “فسحة النبل” التي وهبوه إياها في اشد لحظات المعارك احتداما، لم يأسف كثيرا لما جرى فلولا ذلك “لوصل الإرهابيون خلال نصف ساعة إلى باب توما القريبة”.
وماذا بعد؟
سألنا مهند إن كانت الحرب قد أجهضت آماله في احتراف الفن كمهنة فرد قائلا
“مع كل خبرة قتالية راكمتها كنت أراكم معها خبرة فنية، عندما تضع هذه الحرب أوزارها سأتفرغ للفن والنحت وحتى لو لم يكتب لي ذلك ولأي سبب كان فيكفيني أنني أنحت سيرتي الذاتية على صخور الواقع، سيرة لن تقوى رياح الأيام على محوها، فلا يمكنك أن تحفظ مستقبلك الفني في وطن ضائع”.
عندما أراد مهند أن يختم لقاءه معنا اختار اللجوء إلى الكلمة الوجدانية بدل اللوحة الصخرية الصماء والناطقة بإبداعها موجها رسالة إلى …”الآخر”:

نحن شعب سوريا
نحن مهد الحضاراتنحن هام التاريخ
نحن العلوم ونحن الفنون
نحن القتال ونحن السكون
نحن نسور قاسيون
نحن حمامات السلام
من أنتم ؟؟؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.