وإن غداً لناظره – أحمد حسن

اليوم، تفتتح جولة جديدة من سلسلة “الجنيفات” الطويلة، ولأن “المكتوب يقرأ من عنوانه” كما يقال، فإن اعتبار لقاء اليوم حلقة ثانية من “جنيف2″، أو موعد جديد لـ “جنيف3″، لم يعد أمراً مهماً، لأن المهم، في الحقيقة، هو ما يحدث خارج جنيف كلها، أو على الأقل، خارج تلك القاعة التي لا يجد الإبراهيمي فيها ما يردده سوى “قراءته الشخصية” -بحضور السوريين- في شباط 2014، لما اتفق عليه في حزيران 2012، في غيابهم.

وبكلمة أخرى، لا يهتم الرجل، وهو الدبلوماسي المحنك والخبير، أو من خلفه لنكون أكثر دقة في التحليل، إلا بكيفية تجميد عقارب الساعة وحركة التاريخ عند تلك اللحظة الحزيرانية، التي يبدو أنها، قياساً بما بعدها، اللحظة الأفضل أو لحظة الذروة لفريق الحرب على سورية، مغمضاً عينيه، عما حدث بعدها، من تساقط قيادات، وتغيير “طرابيش”، وتعديل سياسات، وفشل تكتيكات، وتضعضع استراتيجيات، وسقوط حلم الفصل السابع، وضياع “سكرة” التوماهوك، بل وكأن الرجل، ومن ورائه، ما زال ينام ويصحو على أمل، ووهم، خبر عاجل ينبئه بسقوط دمشق، لتكون التسوية التي حلموا بها منذ البداية على غرار “إنجازات” أماكن أخرى كلبنان مثلاً، حيث الهاوية الفاغرة فاهاً على جحيم دائم، لا يمكن تجنبه سوى باتفاق مصالح خارجية آخر همها، بالتأكيد، مصلحة لبنان ذاته، ما يعني في المحصلة: إركاع واستتباع.

بيد أن الواقعية تفترض، بالجميع، الاعتراف بحقيقة أنه بين جنيف الحزيراني ذاك، وجنيف الشباطي هذا، سارت مياه كثيرة في أنهار المنطقة وأزماتها، وإذا كان من الصحيح أنها في غالبيتها ماء آسن، من قبيل المنافسة العلنية بين “الأخوة” القطرية-“الإسرائيلية”، وغرام الفيصل- “ليفني” من جهة، وبين استشراس “الأخوة” ذاتهم بتدمير سورية من جهة أخرى، إلا أن هناك مياهاً صافية رقراقة لا تنكر، من قبيل سقوط مشروع “الأخونة” في مصر، وما يخطه الميدان السوري من وقائع بدأت نتائجها الفورية تبرز في اتجاهين: الأول توسع نطاق المصالحات الوطنية الداخلية حتى مع بعض المسلحين، والثاني بدء موسم التخلي عن الأدوات الإرهابية، فـ “مملكة التنوير” تحاول، ولو عبثاً، غسل يديها وتاريخها منهم، ولندن تسقط “جنة” الجنسية عنهم، و”السلطان” يطلب السترة، وتونس تتبرأ، ولسان حالهم يقول: لقد فشلتم في مهمتكم، لذلك عليكم مواجهة مصيركم المحتوم وحدكم، كي لا نواجه نحن مصيرنا بعد أن أصبح الإرهاب في سورية “قضية تهم الأمن الداخلي الأمريكي” بحسب وزير الأمن الداخلي الأميركي، وتلك مسألة لا مزاح فيها وخاصة في سنة انتخابات نصفية للكونغرس.!!.

 

بهذا المعنى، يصبح من الواقعي، بل والضروري، التأكيد على أن سورية تذهب اليوم “للتشديد على مناقشة بيان جنيف بنداً بنداً، وبالتسلسل الذي ورد فيه”، وبالتالي على من يريد “صيانة أرواح المواطنين السوريين، مناقشة كيفية وضع حد للإرهاب والعنف”، وهذا يعني، بحسب “جنيف1″، محاصرة المسلحين ومن يدعمهم إقليمياً ودولياً، أما من خالف بيان “جنيف1” عبر تشكيل وفد معارض غير ذي مصداقية تمثيلية كافية، كما ينص البيان فهو يذهب طبعاً للركض خلف بقية من وهم لم يتبدد بعد.

 

بيد أنه لا بد من الاستمرار بالقول، للسوريين، والعرب أيضاً -وذلك تكرار يجب الإصرار عليه ولو شعر البعض بالملل منه- إن ما يحدث، ليس في سورية فقط، بل في دول الطوق جميعاً، هو عملية تهيئة كبرى لحل فلسطين، وليس حل قضيتها، لذلك، ولذلك فقط، تدمّر سورية، وتضعضع مصر، وتُشعَلُ نيران الفتنة المذهبية في لبنان والعراق، وتضيّع ليبيا، ويُقَسّمُ اليمن، وتشغل الجزائر بنفسها، أما الدول التي باعت واشترت منذ عقود، فلا شيء، لا شيء أبداً.. لكن للدم البريء لعنته، وإن غداً لناظره قريب.

 

آخر الأخبار