صمودنا الوطني وحدود جنيف – هلال الهلال

بدأت أمس الجولة الثانية من جنيف2 بمشاركة وفدنا الوطني المزوّد بتوجيهات السيد الرئيس بشار الأسد، والمحمّل بآلام وآمال شعبنا السوري الصامد، في وقت ترى فيه القيادة السياسية في سورية ومعها جماهير حزبنا وقطاعات واسعة من جماهير شعبنا من العمال والفلاحين والطلبة والشباب.. في جنيف إطاراً مختلفاً عمّا يُطرح في الخيار الدبلوماسي.

نحن قلنا إننا مستعدون لمناقشة بنود جنيف بعقل منفتح، لكن حسب أولوياتها المنطقية، والقانونية، والواقعية، أي أن نبدأ من مكافحة الإرهاب باعتباره أولويتنا الوطنية الملحّة التي لا معنى لأي مسألة أخرى ما لم تتحقق. وهم قفزوا إلى بند هيئة الحكم الانتقالي، وفي تصورهم المنحرف، أن استمرار الإرهاب هو ورقة الضغط التي ستجبرنا على القبول بهذه الهيئة، كما سيفصّلها سيّدهم الأمريكي.

والحقيقة أن الهيئة، أو الحكومة أو المرحلة… “الانتقالية” هي بدعة، ووليدة مؤامرة، وقفزة فوق المصالح الوطنية والعربية التي لن تتحقق إلّا بالقضاء على الإرهاب ودحر مموليه وداعميه.. فلا يجوز “الانتقال” إلا والهدف منه ترسيخ أسس وأهداف الدولة الوطنية العربية السورية التي بذل جيشنا العقائدي ومعه جماهير شعبنا وحزبنا تضحيات جساماً في سبيل بنائها وتعزيز صمودها.

ورغم أننا نعرف جيداً حدود جنيف، ولا ننتظر من هذه الجولة أن تحقق أهداف الشعب السوري وتطلعاته، فإن مشاركتنا، هذه المرة، تأتي أيضاً، وكما كانت في الجولة السابقة، من منطلق مسؤوليتنا الدولية، وحرصنا كقيادة سياسية على إنهاء معاناة شعبنا، وتخليصه من كابوس الإرهاب التكفيري إلى الأبد.

كما تأتي هذه المشاركة من منطلق كسب الرأي العام العالمي الذي تعرض منذ بداية الحرب على سورية لأكبر عملية تضليل سياسي، وإعلامي في التاريخ، والاستفادة من منبر المؤتمر الدولي المهم لإيصال صوت سورية إلى العالم، وإظهار حقيقة ما يجري فيها من حرب إرهابية كونية تستهدف دولتها الوطنية، أرضاً، وشعباً، وجيشاً، وقيادة، وفضح حقيقة المعارضة اللاوطنية وأسيادها الدوليين، والإقليميين من داعمي الإرهاب، ومموليه.

وكما نجح وفدنا في تحقيق أهدافه السياسية، والإعلامية أيما نجاح في الجولة الأولى، فإننا واثقون من أنه سيفعل في هذه الجولة الجديدة، وفي غيرها أيضاً… ذلك أن نجاح الوفد لم يكن وليد مهارته الدبلوماسية، وحنكته السياسية فحسب، بل كان وليد تمثيله الحقيقي لدولته، وشعبه، وإيمانه العميق برسالته، وهي رسالة وطنية بامتياز سيستلهمها باستمرار من توجيهات السيد الرئيس مجبولة بعذابات السوريين، ودماء شهدائهم الطاهرة، وبمعجزة الصبر، والصمود التي اجترحوها، لتتشكّل على خلفيتها ملامح عالم دولي جديد.. فهذا هو ما صنع شرعية، ومصداقية وفدنا، وجعله أهلاً لأداء مهمته، وأميناً على مصالح وطنه، وشعبه، في مواجهة ما يسمى “وفد ائتلاف المعارضة” الذي أقل ما يقال فيه إنه تركيب هجين، وعميل، فرضه أعداء سورية، ورفضه السوريون.

ولعله من المؤسف، بل المؤلم حقاً، أن تجلس في مواجهة وفد الجمهورية العربية السورية، هذه العصابة المسخ التي سيكون من الظلم الفاضح مقارنتها به. فشتان بين من كانت الوطنية منطلقه، وغايته، وبين من كانت العمالة ديدنه ووسيلته. لكن الضرورة تقتضي هنا أن نشير إلى هذا الفرق الجوهري. نحن ذهبنا إلى جنيف2، وفي ذهننا مصلحة وطننا وشعبنا، أولاً وأخيراً. وهم ذهبوا إليه وفي ذهنهم “السلطة” فقط والاستيلاء عليها مهما كان الثمن، وحتى لو أدى ذلك إلى تدمير سورية، كل سورية، على يد الإرهاب التكفيري الحاقد وهيهات لهم ذلك.

باختصار نحن ذهبنا إلى جنيف2 لإنهاء الحرب الإرهابية على سورية، وهذا بعد خارجي تتعذر معالجته دون الأطراف الدولية، والإقليمية المتورطة فيه. وهم أرادوا أن يكون جنيف وسيلة لفرض حل دولي على السوريين، يمثّل تدخلاً سافراً في شؤونهم، واعتداءً صارخاً على سيادتهم، وتزويراً لإرادتهم بمرادفات “انتقالية”، وبما يتصل بها بما يتناقض مع صمود شعبنا وجيشنا واستعدادنا المستمر لمزيد من التضحيات في سبيل كرامة الوطن والأمة.

نعم، جنيف لم يكن بالنسبة لهم سوى وهم العصا السحرية التي ستحملهم إلى كرسي السلطة في غفلة من الزمن، وتقضي على الدولة الوطنية السورية التي مثّلت عصب المقاومة العربية، ورافعة النضال القومي ضد المشروع الأمريكي الصهيوني الرجعي.

والحقيقة فإن جنيف كان بالنسبة لنا كأحزاب وقوى وطنية وتقدمية موقفاً لا يتطابق تماماً مع الخيارات الدبلوماسية لأننا أكثر حساسية تجاه جذور المؤامرة وفروعها الخبيثة.

إنه استحقاق دولي محكوم بموازين قوى دولية، وإقليمية قرأناه جيداً، وعرفنا حدوده، وحجم الألغام التي أراد أعداؤنا أن يضعوها لنا فيه، فذهبنا إليه دون أوهام تخامرنا، ولا دوافع تحركنا سوى مصلحة شعبنا، ووطننا، لكننا حريصون على أن لا نضع مصيرنا بين أيدي أطراف هم خصوم تاريخيون للشعب والوطن والأمة. واستمرينا في التحرك الفاعل على الأرض للتسريع بإنهاء معاناة شعبنا، والوصول إلى الحل السياسي النابع من إرادته.

إننا نحقق اليوم على صعيد مكافحة الإرهاب المزيد من الإنجازات المهمة، ونحرز ببطولات جيشنا الباسل المزيد من التقدم الميداني في الكثير من المناطق، ونتابع جهود المصالحة الوطنية التي آتت أكلها في أكثر من بلدة، ونحن اليوم نسعى لتعميمها على مختلف المناطق المعنية نظراً لما ثبت من فاعليتها، وقدرتها على إنتاج الحلول الوطنية الواقعية الملائمة.

كما أننا نستمر في بذل جهود الإغاثة الإنسانية في جميع المناطق المحتاجة دون تمييز، وكان آخرها في حمص القديمة، مما شكل رداً عملياً على محاولات تسييس المسألة الإنسانية في سورية من قبل الدوائر الغربية، وحال دون استخدامها كمطية للتدخل الخارجي.

وها نحن اليوم نمضي في هذا بالتوازي مع جنيف2 وفاء لواجبنا الوطني، بغض النظر عما سيؤول إليه المؤتمر الدولي في النهاية من نجاح أو فشل، فهذا هو الهاجس الوطني الملح الذي يحكم عملنا وتوجهاتنا كقيادة سياسية، ويترجم فهمنا “للسلطة” كأحد أهم مظاهر السيادة الوطنية، والاستقلال الوطني، وإرادة الشعب، وليس كامتياز شخصي، وثمن للتبعية، والعمالة، وبيع الوطن، كما يعبّر عنه أداء مرتزقة الخارج منذ الأيام الأولى لبداية الحرب على سورية.

لقد أثبت تطور الحدث السوري صحة القراءة المبكرة التي قدّمها الرئيس الأسد لما يجري في سورية. وإذا كانت هذه القراءة العميقة والواعية قد تعرضت للنقد العنيف من قبل أعداء سورية، فلأنها، بالضبط، قد وضعت الإصبع على الجرح السوري، وشخّصت الداء، ووصفت العلاج، مما سفّه قراءة أعداء الشعب السوري، وأظهر تهافت أطروحاتها، وتعسفها، بل فضح مدى الزيف الذي انطوت عليه.

ولو أن الجميع استمعوا إلى صوت الحق، والحكمة من الرئيس الأسد، ولاسيما مبادرته التي أطلقها يوم 6/1/2013، لكانت سورية قد خلّفت زمن المأساة وراءها. ذلك أن هذه المبادرة هي الحل السياسي الشامل الوحيد الذي يمتلك المقومات الواقعية والسياسية والوطنية التي تجعله قابلاً للتحقق، وإنقاذ سورية، والوصول بها إلى بر النجاة لتعود كما كانت وستبقى قلب العروبة النابض.

وما نراه اليوم هو أن هذه المبادرة التي أجمع عليها الشعب السوري تكتسب المزيد من الصدقية، والواقعية، والوطنية، في ظل غياب أي حلول سياسية حقيقية أخرى للمسألة السورية، بما فيها مقترحات جنيف، ذلك أن ما هو مأمول من هذا المؤتمر ليس أكثر من إيقاف الحرب الإرهابية المجنونة التي أصبحت تمثل اليوم أكبر تهديد للمنطقة والعالم. أما الحل السياسي الذي يقبل به السوريون، فهو لن يكون مصنوعاً إلا من قماشتهم الوطنية، وبتفصيلهم الخاص. وتلك، بالتحديد، هي روح المبادرة التي يصعب إن لم يستحل القفز فوقها لأنها تمثل مصلحة شعبنا، وتنطلق من القائد الذي كان ولايزال وسيبقى أمل الجماهير الوطنية والعروبية، وأمل كل من يسعى إلى تعزيز الأمن والاستقرار والتعاون والتكامل الإقليمي والدولي ضد الإرهاب والصهيونية والرجعية، إنه الأمل السيد الرئيس بشار الأسد الذي تستمر جماهير شعبنا وحزبنا في تأكيد تلاحمها مع شجاعته وحكمته.

آخر الأخبار