العنصرية..الفيروس الأكثر فتكاً

لا يكاد العالم ينهض من تحت رزح العنصرية حتى يعود إليها بأشكال وأنواع آخرى أعقد شكلاً ومضموناً، فعلى الرغم من أن كلمة عنصرية في هذه الأيام لم تعد تعني فقط من يخالف الآخرين في اللون والعرق بل أصبحت تطلق على كل مظاهر الكره والتعصب للأنا وإقصاء الآخر والشعور بالتفوق عليه، وتحولت من مظاهر اعتقاد إلى سلوك حياة وعادات وطبائع.

العنصرية كانت ولا تزال تتجلى من وقت لآخر في العديد من جوانب الحياة كالعنصرية تجاه المرأة أو العنصرية داخل السلالات العائلية والفرق العرقية والطوائف الدينية التي سببت حروباً دامية ذهب ضحيتها الآلاف من البشر، والطامة الكبرى إذا دخلت العنصرية المجال السياسي كالكيانات التي تبني وجودها وتؤسسه على مبدأ عرقي ترفض معه الاندماج مع الآخرين في كيان دولة واحد والإصرار على بناء دولة عرقية، والعمل على إبقاء وإذكاء هذا الطموح لتحقيق غاياتها بإنتاج عرق صاف وهو ما تتجلى فيه أعلى أنواع العنصرية.

برزت موجة من الممارسات التي تنطوي تحت العنصرية في بعض البلدان العربية والإقليمة موجهة ضد المهاجرين واللاجئين ضحايا الفقر والحروب في الشرق الأوسط والعالم، والتي جرى تسييسها أحياناً وإساءة تقديرها أحياناً أخرى.

ومع أن التاريخ كان حافلاً بالكثير من السياسات والشخصيات العنصرية التي لا يمكن حصرها والتي يدعي المجتمع المتحضر لفظها ونبذها، ولكن ما يثير الاستهجان هو أن تستمر هذه الأفكار بالظهور والانتقال في وقت تدعي فيه الأمم مناهضتها ونبذها، وتأكيدها المستمر على سيادة مبادئ حقوق الإنسان والمساواة بين البشر قاطبة، والمبالغة باستعراض إنجازاتها في محاربة الكراهية وإحقاق المساواة، ولربما ما أثار حفيظة العالم وأعاد فتح ملف العنصرية في هذه الأوقات العصيبة التي يشهدها هو بعض المواقف التي حصدها وكشفها فيروس كورونا عربياً وعالمياً والذي أدى لانتشار فوبيا الخوف من الآخر (كورونو فوبيا) تبعها إساءات لذوي الملامح الآسيوية ما حدا بهم لإطلاق هاشتاغ عالمي (أنا لست فيروساً).

لم تتوقف هذه الموجة وأصابت تردداتها كل الفئات حتى على مستوى النخب، ففاجئت تغريدة لممثلة سعودية رواد التواصل الاجتماعي دعت فيها إلى استخدام السجناء في تجارب الأدوية الجديدة لعلاج فيروس كورونا عوضاً عن الفئران والقرود -لأنهم يستحقون ذلك- ووصفوا دعوتها حتى وإن لم تكن نتائج التجربة مضمونة توفيراً لمصاريف أكل وشرب وتأهيل هؤلاء المساجين بالعنصرية ولاقت تغريدتها استهجاناً واسعاً وردود فعل غاضبة رأت أنه يتعارض مع حقوق الإنسان، أما منظمة الصحة العالمية فلم تجد بداً من إدانة التصريحات التي دعا إليها طبيب فرنسي على قناة “ل سي اي” حول إجراء دراسة واختبار للقاح ضد الفيروس في الدول الافريقية ووصفتها بالمشينة بعد أن أثار كلامه انتقادات كبيرة وصفته بأنه استمرار لعقلية الاستعمار والعنصرية التي ترى القارة السمراء مختبر تجارب، أما “المفوضية السامية لحقوق الإنسان” فدعت منذ انتشار الفيروس إلى التضامن مع السكان من أصل آسيوي لتعرضهم للتمييز، بينما كتبت صحيفة “إندبندنت البريطانية” أن نائب رئيس جامعة نيوكاسل البريطانية أصدر خطاباً لتعزيز ما سماه الروح الشاملة بعد تقارير عن حوادث عنصرية ضد الطلاب الصينيين، وعلى خطا ترامب في نعت كوفيد ١٩ بالفيروس الصيني في تصريحات وصفت بالعنصرية التي لا تليق بقادة الدول هاجم الإعلامي الأمريكي “بيل ماهر” في برنامجه “ذا ريل تايم” كل من يرفض تسمية فيروس كورونا بالفيروس الصيني قائلاً “لا تكونوا لطفاء، اسمه الفيروس الصيني”.

العنصرية لايمكن القول إلا أنها تشبه إلى حد بعيد الاضطرابات النفسية من جنون العظمة وغيرها من عقد الأنا والنزعة للعلو والتفوق الناتجة عن جهل وما هي إلا مجرد تهيؤات في ذهن صاحبها فقط لا يمكن أن تنسحب على المجتمع كاملاً وقد لا يعترف بها وربما يعاني نتائجها ويلفظها ويدينها في بعض الأحيان إلا أنها لن تختفي وستعاود الظهور بين الحين والآخر طالما لا يجري علاجها بشكل جدي وجذري، ولكن إلى أن تجد البشرية الحل لهذه الممارسات ستبقى العنصرية الفيروس الأكثر فتكاً في كل زمان ومكان.

آخر الأخبار