ﺳﻄﻮر ﻓﻲ ﺗﺎرﯾﺦ اﻛﺘﺸﺎف اﻟﻔﯿﺮوﺳﺎت اﻟﺘﺎﺟﯿﺔ “ﻛﻮروﻧﺎ”

سطور في تاريخ اكتشاف الفيروسات التاجية “كورونا”

Lines in the history of coronary viruses/corona/ detection/

(تحية من سورية إلى كل الكوادر الطبية في العالم وجهودها العظيمة في مكافحة فيروس كورونا المستجد)

(Greetings from Syria to Medical Staff All Around the Word, and their Great Efforts in Combating Novel Corona Virus)

بقلم المؤرخ الدكتور محمود السيد والإعلامي عماد الدغلي

تؤكد دراسة العصور التاريخية المختلفة وجود علاقات وثيقة بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة وأي تدهور للنظم البيئية سينعكس سلبا على حياة البشر في جميع أنحاء العالم ولحماية البشر من الأمراض يجب حماية الطبيعة. ومع ظهور العصر الحجري الحديثوإقامة المستوطنات الزراعية ذات الكثافة السكانية العالية ومن ثم ظهور المدنية والتمدن في عصر البرونز وقيام التجمعات السكانية الكبيرة وعيش البشر في العصر الحديث أقرب فأقرب إلى بعضهم البعض في مساحات صغيرة وتغير الظروف الطبيعية وسياقاتها البيئية، ازداد خطر انتشار الأوبئة الفتاكة بصحة البشرية، وانتشرت الفيروسات شديدة العدوى وأصبحت أوبئة متوطنة تهدد حياة الانسان واستمرار وجوده. وقد عرفت المجتمعات الزراعية العديد من الأمراض والأوبئة وانتقلت الفيروسات من الحيوانات إلى البشروتشير تقارير الأمم المتحدة للبيئة عام 2016 أن سبب انتشار الأمراض في عصرنا الراهن ناجم عن النمو السكاني وانخفاض النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي وأن 60 في المائة من جميع الأمراض المعدية الناشئة في البشر هي أمراض حيوانية مرتبطة ارتباطا وثيقا بصحة النظم الإيكولوجية.

تنجم الأمراض الحيوانية المنشأ عن تغيرات في البيئة والموائل الطبيعية والمناخ سببها سلوك البشر الغير مسؤول وتأثير أنشطتهم على النظم البيئية والذي أساء إلى التنوع البيولوجي للنظام البيئي، ونجم عنه تعديل هياكل الحياة البرية وخفض التنوع البيولوجي بمعدل غير مسبوق، مما أدى إلى ظروف مواتية لمضيفات أو ناقلات ومسببات الأمراض، فضلا عن تطور العامل الممرض نفسهأو تغير مسببات الأمراض وراثيا.مع العلم أن التنوع الجيني يوفر مصدراً طبيعياً لمقاومة الأمراض بين الحيوانات، أما تربية الماشية المكثفة غالبًا ما تنتج تشابهات جينية داخل القطعان، ويجعلها عرضة لانتشار مسببات الأمراض من الحيوانات البريةكفيروس غرب النيل وأمراض لايم وداء الكلب، وداء المقوسات، وحمى كيو، وحمى الضنك، والجمرة الخبيثة… وقد ارتبطت الحالات المبكرة من السارس بالاتصال بقطط الزباد. وانتقلت بعض حالات الإيبولا في وسط أفريقيا من الحيوانات إلى البشر عند استهلاكهم لحم الغوريلا المصاب. وتمثل الماشية والدواجن المنزلية أحيانا جسراً وبائياً بين الحياة البرية والعدوى البشرية، كحالة إنفلونزا الطيور التي انتقلت من الطيور البرية المصابة إلى الطيور المدجنة، ومن ثم انتقلت إلى البشر. ونتيجة لنشاطات الإنسان المختلفة أصبح ظهور سلالات فيروسية تاجية جديدة ذات طفرات تتفق تماما مع التطور الطبيعي وقادرة على إصابة خلايا جديدة وعائل جديد امراً واقعاً.

ويواجه العالم منذ القرن العشرين الميلادي ظهور فيروسات تاجية ذات طبيعة معدية جدا، سميت تاجية بسبب شكلها، ووجود أشواك بروتينية على سطحها أو خُملًا من البروزات السطحية البصلية الكبيرة تمنحها شكل التاج. وتنتمي فيروسات كورونا إلى فُصيلة الكوراناويات المستقيمة ضمن فصيلة الفيروسات التاجية ضمن رتبة الفيروسات العشية وهي فيروسات مغلفة مع جينوم حمض نووي ريبوزي أحادي السلسلة موجب الاتجاه، وتمتلك قفيصةمنواة حلزونية متماثلة قادرة بفضل مادتها الوراثية على التطور الطبيعي بشكل أسرع من الأنواع الأخرى. ويبلغ حجم الجينوم حوالي 26 الى 32 كيلو قاعدة،ويعد الاكبر بين فيروسات الحمض النووي الريبوزي والجينوم قادر على تصحيح الأخطاء بمفرده واكتشاف التسلسل الجيني للمادة الوراثية بسرعة وسهولة. وتساهم بروتينات عديدة في البنية العامة لفيروس كورونا وهي بروتينات الحسكة والغلاف والغشاء والقفيصةالمنواة.

تصيب الفيروسات التاجية الحيوانات والبشر على حدٍ سواءوهي قادرة على البقاء حية في ظروف مختلفة، وتسبب أمراضًا عديدة تتراوح في شدتها من نزلة بردحيث تلتصق الفيروسات بالخلايا الموجودة أعلى الجهاز التنفسي، مثل الأنف أو الحلق إلى متلازمة تنفسية حادة شديدة وهنا تلتصق الفيروسات في الرئتين والقصبات الهوائية؛ وهو ما يتسبب في إصاباتٍ أكثر خطورة وعندما تصيب الفيروسات التاجية البشر، تستهدف إما الجهاز التنفسي مسببة أعراضاً شبيهة بنزلات البرد أو الالتهاب الرئوي في الحالات الشديدة، أو تصيب الجهاز الهضمي وتسبب الإسهال.

وتم تمييز الفيروسات التاجية الحيوانية لأول مرة في عام ١٩٣٠ أما الفيروسات التاجية البشرية فاكتشفت لأول مرة في منتصف عام ١٩٦٠ حيث اكتشف فيروسان من جوف الأنف لمرضى مصابون بفيروس كورونا البشري”ي229 ” وفيروس كورونا البشري “أو سي 43”, وأول الفيروسات الحيوانية المكتشفة كان فيروس التهاب القصبات المعدي في الدجاج. ثم ظهر فيروس كورونا البقري الذي يسبالتهاب أمعاء حاد وإسهالا لدى العجول الصغيرة. وفيروس كورونا السنوريويسبب التهابات متوسطة لدى القطط وكذلك التهاب البريتون المعدي السنوري الحاد وفيروس كورونا الذي يصيب ابن مقرض وهو نوعان فيروس معوي ويسبب التهاب الأمعاء وفيروس نظامي يسبب متلازمة نظامية شبيهة بالتهاب البريتون المعدي السنوري وفيروس كورونا الكلبي وهو نوعان يسبب أحدها التهابات معوية وينجم عن الآخر أمراض تنفسية، وفيروس التهاب الكبد الفأري ويكون شديد العدوى بين الجرذان المخبرية، وفيروس كورونا الخنزيري ويسبب التهاب المعدة والأمعاء وفيروس كورونا المعوي الأرنبي ويسبب مرضا معويا معديا حادا وإسهالا.

في بريطانية عام 1964 في مختبر بمستشفى سانت توماس في لندن ومن خلال المجهر الإلكتروني وبفضل العالمة الإسكتلندية المختصة في مجال الفيروسات جون ألميدا والتي طورت طريقة للتعرف على الفيروسات التاجية التي تصيب البشر عن طريق الأجسام المضادة التي تستخرج من أجسام الأشخاص المتعافين تمكن العالم من التعرف على شكل الفيروسات التاجية وتحديد صورة واضحة للفيروس التاجي الجديد الذي أصاب البشروأطلق عليه اسم فيروس كورونا “ب 814” وظهر الفيروس تحت المجهركنقطة رمادية مستديرة تحيط بها خيوط ممتدة مما يجعل شكلها كالهالة التي تحيط بالشمس أو كزوائد التاج.وتبدو النتوءات الكبيرة بصلية الشكل وهذه النتوءات هي قسيماتفولفيةحسكية، وهي بروتينات موجودة بكثرة على سطح الفيروس تحدد نوعه، ويبلغ طوله 350 نانومتر وكانت ألميدا قد دونت سابقا رؤيتها لفيروسين متشابهين الأول يسبب التهاب الشعب الهوائية في الدجاج والثاني يسبب التهاب الكبد في الفئران وباستخدام الميكروسكوب الإلكتروني تمكنت ألميدا من تحديد الحصبة الألمانية والتي يمكن أن تسبب مضاعفات أثناء الحمل وكانت ألميدا أول من تمكن من مشاهدة فيروس الحميراءفي العالم وكان لها مساهمة فاعلة في نشر أولى الصور عالية الجودة لفيروس نقص المناعة البشرية، الذي يسبب الإيدز والذي ظهر عام 1980 وتم تشخيصه عام 1981. وحتى عام 2002، كان من المعروف أن هناك نوعين فقط من مركبات الهيدروفلوروكربون المسببة للعدوى في البشر وهي كوفيد229 وكوفيد 43.

في القرن الواحد والعشرين الميلادي واجه العالم في عام 2002-2003 انتشار مرض متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (سارس) في معظم أنحاء الصين وأكثر من 28 دولة في آسيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية،وانتقل فيروس كورونا المسبب لسارس من قطط الزباد (العائل المتوسط) إلى البشر.وفي عام 2004 عرف فيروس كورونا البشري “”ن ل63”. وفي سنة 2005 ظهر فيروس كورونا تاجي جديد.

في عام 2012 تم التعرف على متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس) لأول مرة في المملكة العربية السعودية وتشبه أعراض سارس وميرس ما يسببه كوفيد-19 من حمى وسعال وضيق تنفس وأعراض أخرى مثل الصداع وآلام الجسم، وأحيانًا مشاكل الجهاز الهضمي مثل الإسهال ويرجح أن ميرس انتقل من الإبل ‏(العائل المتوسط) إلى البشر. ويعتقد أن الخفافيش منشأ فيروس كورونا الأصلي أي العائل الدائم وفقا لتحليل مختلف جينومات الفيروسومنه انتقل إلى قطط الزباد والإبل. وفي مايو 2015، تفشت الإصابة بفيروس كوروناالمرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط في كوريا الجنوبية.

الفيروسات التاجية فيروسات مغلفة جينومها حمض نووي ريبوزي وحيد الطاق ذو دلالة إيجابية، ولها محفظة ذات تناظر حلزوني وهناك أربعة مجموعات فرعية من الفيروسات التاجية “ألفا – بيتا – جاما – دلتا”, والتي تسبب نزلات البرد الشائعة. مع التنويه أن كورونا ألفا وكورونا بيتا يصيبان الثدييات في الغالب، في حين أن فيروس كورونا غاما يصيب أنواع الطيور، وقد تم العثور على كورونا دلتا في كل من مضيفي الثدييات والطيور وتصيب فيروسات كورونا بشكل أساسي الجزء العلوي من السبيل التنفسي والسبيل المعدي المعوي في الطيور والثدييات كما تصيب الجهاز البولي التناسلي. وتوجد بعض فيروسات الكورونا المستجدة والتي تسبب متلازمات تنفسية حادة شديدة مثل متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد ومتلازمة متلازمة الشرق الأوسط التنفسية وهنا يدخل الفيروس جسم الإنسان عن طريق الهواءعندما يتصل الشخص بشكل وثيق بالجمال أو عن طريق استهلاك حليب الإبل الخام أو لحم الإبل غير المطبوخ ويسبب ضيق في التنفس والتهاب الحلق وحمى والسعال المترافق  بالدم أو بدونه والإسهال والتقيؤ والألم العضلي وآلام في المعدة وفيروس كوفيد-19 المستجد وهناك اختلافات في تركيب البروتينات التي تكون الفيروسات الجديدة. وتوجد فروق دقيقة في طريقة كل نوع من أنواع الفيروسات التاجية في إحداث المرض.

في نهاية عام 2019 نشئ نوع فرعي جديد مستجد من الفيروسات التاجية عرف باسم فيروس كوفيد-19ويسبب الحمى والسعال الجاف وضيق التنفس والتهاب الحلق والشعور بالتعب والألم وأحيانا يؤدي إلى ضعف حاستي الشم والتذوق. تشبه هذه الأعراض أعراض فيروس سارس وميرس والإنفلونزا. وتفشى كوفيد-19 لأول مرة في مدينة ووهان الصينية وتحول إلى وباء انتشر في سائر أرجاء العالم في 193 دولة بسببشدة المرض الذي يسببه (يصيب المجاري التنفسية السفلية، التي تتكون من القصبة الهوائية والشعب الهوائية والحويصلات الهوائية في الرئتين؛ لذلك تتركز معظم الأعراض التي يشعر بها المصاب في الصدر والرئتين) وقدرة الفيروس على إعادة تكوين وتحوير نفسه، وإصابة أنواع خلايا متعددة, وسهولة انتقاله بين البشرعبر العطس أو السعال أو البراز أو الدم أو اللعابوالمصافحة بالأيدي ثم ملامسة الفم او الانف باليد الملوثة. وفي 11 مارس عام 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية، كوفيد-19 وباءً عالميًا. ولا يختلفكوفيد-19 عن الفيروسات التاجية التنفسية الأخرى، مثل «سارس» و«ميرس»، من ناحية التركيب الوراثي سوى في فروق طفيفة، لكنها تؤدي إلى اختلافات كبيرة من الناحية الوظيفية، وسرعة الانتشار، وخطورة الإصابة.ودراسة التركيب الجزيئي لفيروس كوفيد-19 يؤكد مشابهته لبعض الفيروسات التي اكتشفها العلماء في الخفافيش كخفاش حدوة الحصان وفي آكل النمل الحرشفي.

يتضمن فيروس كوفيد-19 أشواكًا بروتينية خارجية ترتبط بالمستقبلات الموجودة على الخلايا البشرية المضيفة وتساعده على اختراقها، ويستهدف الفيروس مستقبلات الخلايا التي تنظم ضغط الدم بفعالية كبيرة. ويمثل ضعف الجهاز المناعي السبب الرئيسي في الإصابة وفي تمكن الفيروس من الجسم لذلك يستهدف الفيروس بشكل رئيسي العجزة والأشخاص الذين يعانون من حالات صحية كامنة مثل مرض السكري وأمراض القلب وأمراض الرئة المزمنة.

. تبدأ الإصابة بفيروس كوفيد 19 عندما يدخل الفيروس، المكون من غلاف يحمي المادة الوراثية، إلى الجسم، فيلتصق بالخلايا المستهدفة، ويبدأ في حقن مادته الوراثية داخلها، وبعد ذلك تندمج هذه المادة الوراثية مع المادة الوراثية لخلية العائل، وتسيطر عليها، وتدفعها لإنتاج نحو 30 جزءاً من مكونات الفيروس يستخدمها في التضاعف وتمنع خلايا العائل من إفراز مادة الإنترفيرون التي تستخدمها الخلايا المصابة لاستدعاء خلايا المناعة. ويستهدف فيروس كوفيد-19 الخلايا السنخية من النمط الثاني الموجودة في الرئة، بسبب احتوائها على بروتين “إيه سي إي2” على سطحها الخارجي، والذي يلعب دوراً أساسياً في تنظيم ضغط الدم، ويستخدمه الفيروس كمنفذ يدخل عبره إلى الخلايا, إذ تلتصق به أشواك الفيروس البروتينية، فيحدث تماس غلاف الفيروسالمكون من بروتينات سكرية بنيوية مع غشاء الخلية، وتتكون قناة تعبر عبرها مادتها الوراثية إلى داخل الخلية وعندما يدخل الفيروس إلى الخلايا السنخية من النمط الثاني تتحرك ملايين الخلايا المناعية كي تهاجم الأنسجة التي تتضمن الفيروس والخلايا المصابة، وهذا ما يسبب دماراً كبيراً للرئة مع الإشارة إلى أن الفيروس بعد دخوله إلى الخلية ينزع قفيصته ويحرر جينوم الرنا في السيتوبلازم ويسمح بروتين بوليميرازالرنا المعتمد على الرنا للفيروس بنسخ الجينوم الفيروسي وإنتاج نسخ جديدة باستخدام ماكينة الخلية المضيفة ويقوم بفصل البروتينات عن بعضها  بروتين لا بنيوي يطلق عليه “ببتيداز”. وتحتوي المادة الوراثية لفيروس كوفيد-19 نحو 30 ألف أساس آزوتي ويوجد لدى الإنسان ثلاثة مليارات أساس آزوتي، والتغيّر الحاصل بين سلالات الفيروس المختلفة يحدث فقط ضمن 11 أساس آزوتي.

تكمن خطورة فيروس كوفيد-19 المستجد في قدرته على إخفاء الإشارات التي تدل على وجوده عن جهاز المناعة، لذلك يستمر الفيروس في الفتك برئة الشخص المصاب. ويخشى من أن يحدث فيروس كوفيد-19 تطفيراً ينجم عنه سلالة جديدة قادرة على إصابة خلايا الكلى. وفي تقرير نشرته جامعة بروفانس الفرنسية، ذكر أن فيروس كورونا التاجي يموت تمامًا عند تعرضه لدرجة حرارة مقدارها 92 درجة لمدة 15 دقيقة وهذا ما أكدته الأبحاث الطبية الروسية التي اشارت الى ان الفيروس التاجي المستجد يموت عند درجة حرارة مئة درجة مئوية. وتحليل بيانات الجينوم العام لكوفيد-19 أو النموذج الجيني للبروتين الخاص به وتسلسل الحمض النووي والهيكل الجزئي للفيروس والفيروسات الأخرى ذات الصلة يؤكد أن الفيروس أحادي اللون، أي أنه أتى من سلف مشترك واحد وتطور الفيروس طبيعيا ولم يصنع في مختبر وليس نتاج هندسة وراثية وخير دليل على ذلك الطفرات الحاصلة باستمرار في التركيب الجيني للفيروس. ويتم الكشف عن الشخص المصاب بكوفيد-19 من خلال أخذ عينات من الحلق أو السعال أو دم المرضى وإخضاعها لتفاعل البلمرة المتسلسل والذي يسمح بتحديد الحمض النووي للفيروس. وتفيد الصور الإشعاعيّة في التأكّد من قوّة الإصابة ومدى الالتهاب.

تحول كوفيد-19 إلى وباء في منطقة جنوب شرق آسيا، أمر متوقع نظرا للكثافة السكانية العالية والأعداد الكبيرة من الحيوانات المختلفة وكثرة الاتصال المباشر بين البشر والحيوانات. فقبل مرض كوفيد-19 انتشر في الصين عدة أوبئة مثل: الإنفلونزا الآسيوية، وإنفلونزا هونغ كونغ، ومتلازمة الالتهاب التنفسي الحاد “سارس”، وإنفلونزا الطيور “أتش5 أن1”

اكتشف العلماء حديثا ستة فيروسات تاجية جديدة موجودة في أجسام الخفافيشفي ميانمار، هي كوفيد-90 وكوفيد-47 وكوفيد-82 وكوفيد-92 وكوفيد-93 وكوفيد-96 وتنتمي لنفس عائلة فيروس كورونا المستجد ولكن لم يثبت حاليا ارتباطها بشكل وثيق بالفيروسات التاجية التي تسبب عدوى شديدة للبشر (كوفيد-19, سارس وميرس). ويُشبه فيروس كوفيد-19 بنسبة 96% فيروسات كورونا لدى الخفافيش وتم حديثا في كهوف مقاطعة يونان الجبلية الواقعة جنوب غرب الصين، جمع عينات من دم الخفافيش ومسحات من فمها وبرازها، وأثبتت نتائج الدراسة حضانتها لحوالي 500 فيروس تاجي جديد قادر على الانتقال إلى الإنسان عبر وسيط مثل قط الزباد والجمال. علما أن حيوان آكل النمل نقل أول عدوى بفيروس كوفيد-19 لشخص في مدينة ووهان في الصين، مصدر فيروس كورونا الأول وقد أصيبت أنثى نمر في حديقة حيوان برونكس في نيويورك بفيروس كوفيد 19، ويعتقد أن فيروس كوفيد-19 انتقل من الخفافيش إلى الثعابين في البرية، ومنها إلى البشر في سوق ووهان الصيني لتجارة الحيوانات.ويشابه تركيب فيروس كوفيد-19 الجينيبنسبة تبلغ نحو 96%، تركيب فيروس “را تي جي “، الذي اكتشف في أحد الخفافيش الملتقطة من مقاطعة يونان الصينية وتتشابه بنسبة 99 بالمائة منطقة معينة من بروتين «إس» الموجود على سطح فيروس كوفيد-19، الذي يستخدمه الفيروس لدخول خلايا الرئة مع فيروس معزول من آكل النمل الحرشفي الماليزي. وأظهر تحليل الحمض النووي الريبي أن خفافيش حدوة الحصان تستضيف سلالة واسعة من الفيروسات التاجية قد تصيب الإنسان. وهذا ما يعزز الاعتقاد بأن الخفافيش هي المصدر الأساسي لفيروس كوروناوترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفيروسات التاجية، فهي من الأنواع المستأجرة للفيروسات التي لها إمكانية نشر الأوبئة المستجدة، خاصة وأن البشر يفتقرون إلى المناعة ضد فيروسات الشرايين التي تنتشر في أحشائها.

 ويختلف فيروس كوفيد-19 بشكل كبير عن الفيروسات التاجية الأخرى في مكان واحد في الجينوم، حيث تم تشفير سطحه ببروتين سكري، وهو بروتين به أجزاء من الكربوهيدرات، التي من خلالها يعزز الفيروس التصاقه بسطح الخلية قبل أن يدخل فيها.ويتضح أن القسم الدخيل في جينوم فيروس كوفيد- 19، أقرب بخصوصية تفضيلاته إلى الفيروسات التاجية للأفاعي الصينية.وربما حدثتالطفرة داخل، الأفعى الصينية الجنوبية متعددة الشرائط، والكوبرا الصينية.

اذاً يتضح مما سبق أنأغلب الطفرات والسلاسل الجديدة للفيروسات التاجية ظهرت في بلدان شرق آسيا بسبب الكثافة السكانية وتعاملهم المباشر مع العديد من أنواع الحيوانات. وينتقل فيروس كوفيد-19 المستجد للإنسان عند مخالطة الحيوانات البرية المصابة بالفيروس، كما ينتقل عند التعامل مع فضلات هذه الحيوانات. وبات من المعروف طبيا اليوم وجود سبعة فيروسات تاجية تنتقل إلى البشر، أربعة منها تسبب أعراض مرضية خفيفة ومعتدلة، وثلاثة لهم أعراض أكثر خطورة على البشر، وهذه الأمراض هي السارس “متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة”؛ وميرس “متلازمة الشرق الأوسط التنفسية”، وفيروس كورونا المستجد كوفيد-19. وكل ما يحتاج له الفيروس التاجي داخل الحيوان إلى القفزة أو ما يطلق عليها في علوم الجينات الطفرة. ولكي يصنع المرض القفزة، يجب أولاً أن يتعامل الشخص مع فيروس قابل للحياة وإذا استطاع الفيروس التهرب من الجهاز المناعي، يخترق غشاء الخلية المحمي بواسطة المستقبلات التي تسمح فقط بالتفاعل مع مواد معينة ثم يخرج الفيروس من الخلية ويصيب مضيف آخر وخلية أخرى مسببا الوباء أو تفشي المرض وتظهر الدراسات الجينية شبها واضحا بين فيروس كورونا المستجد وفيروس الخفافيش المعروف، ويبدو أن حيوانًا آخر نقله من الخفافيش إلى البشر مثل الثعابين أو آكل النمل الحرشفي، ولكن لم يثبت تأكيد ذلك حتى الآن.

تنتمي الفيروسات التاجية وفيروس كوفيد-19 المستجد إلى ما يسمى بفيروس المغلف، كما هو الحال في فيروس الإنفلونزا ويعني ذلك أن جزءا من الفيروس يتوغل إلى غشاء خلية مضيفة وينقل إليه بروتيناته اللازمة لتلويث خلية أخرى, ومن المعلوم أن الفيروسات التاجية تتكون من شريط واحد من الحمض النووي الريبي، وهذه المادة الوراثية محاطة بغشاء مرصع ببروتينات بارزة صغيرة وعندما يدخل الفيروس إلى الجسم، ترتبط هذه البروتينات المرتفعة بالخلايا المضيفة، ويحقن الفيروس ذلك الحمض النووي الريبي في نواة الخلية المضيفة ويبدأ بالتكاثر. وبالرغم من عدم الكشف تماماً عن العلاقة المعقدة بين الفيروسات التاجية والجهاز المناعي للإنسان، مما يصعب التنبؤ بمدى فعالية اللقاحات التي سيتم إنتاجها مستقبلا، يستطيع البشر مواجهة كورونا والانتصار عليه بالبحوث العلمية الجادة والحفاظ على صحة النظم البيئية، وإجراءات النظافة والرعاية الصحية وارتداء القناع الطبي الواقي. لأن فيروس كوفيد-19 لا يمكن أن يعيش إلا في بيئة رطبة، وبالتالي فإن القطرات الصغيرة الرطبة هي وسيلة رئيسة لانتقال الفيروس من إنسان إلى آخر وهنا يأتي دور القناع الطبي الواقي في وضع حاجزا أمام الفيروس، وتجفيف تلك القطرات والتخفيض حقًا من خطر الإصابة بالمرض. ويجب دعم الجهاز التنفسي للمرضى المصابين والحفاظ على مستوى الهيموغلوبين المؤكسج لتتمكن الرئة من إصلاح ذاتها واستعادة عافيتها. علما أن الطب المصري القديم والإسلامكانوا من أوائل المنادين بقيمة وأهمية الطب الوقائي بجانب الطب العلاجي،فالطبيب في مصر القديمة كان أول من وثق في العالم كتابيا دور الوظيفة الجسدية السليمة والنظام الغذائي، سواء في التوازن والاعتدال وأهمية النظافة وغسل الجسد والملابس وأواني الطعام في الصحة والوقاية من الأوبئة والأمراض وكان المصري القديم أول من استخدم في العالم السلام برفع اليد للأعلى فقط دون تلامسمدركاَ أن السلام بالأيدي وسيلة مباشرة من وسائل نقل الأمراض. وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم أول من أرسى قواعد الحجر الصحي عندما أمر الناس بملازمة منازلهم وبلادهم في حال تفشى فيها وباء مثل الطاعون، وعدم مخالطة المرضى والمحافظة على نظافة اللباس والجسد والأيدي وخاصة عند ممارسة الطبقبل الطبيب المجري إينيازسيميلويس (1818- 1865 م) والذي أكد أهمية غسل الأيدي وتعقيم الأدواتوخاصة قبل ممارسة العمل الجراحي. ولكن يجب على دول العالم الأخذ بالحسبان أن استمرار التعدي على البيئات البرية سيقابله استمرار الأمراض المعدية في الظهور والعودة للظهور، وتفشي العديد من الأمراض في المستقبل القريب.

التعليقات مغلقة.