بوح.. أشـــياء وانتمـاء.. !!

هفاف ميهوب : صحيفة الثورة

عندما تفقدُ علاقاتنا الإنسانية معناها وأهمِّيتها.. وعيها وقيمها وأخلاقيَّتها.. تواصلها وتماسكها بين أفراد جنسنا كبشرٍ تجمعُنا الأرضُ واللغة الواحدة.. المشاعر والعواطف التي يُفترض أن تكون متّحدة.. ماذا يمكن أن يحدث؟!!..

أيضاً، عندما -وبفعلِ فاعلٍ لكنهُ غير مستتر- تنقطع خيوط لحمتنا العربية، وتتمزَّق انتماءاتنا الوطنية، وتسيلُ دماؤنا على قارعة الجراح التي شاركَ الأصدقاء قبل الأعداء في إغماد أحقادهم فيها، وفي جعلها ذاكرة حاضرنا الذي نزفَ ذكريات ماضيها.. ماذا يمكن أن يحدث؟!..‏

ربما لايحدث شيء، وفي حقيقة الأمر تحدثُ أفظع وأغرب الأشياء، لأننا وربما قصداً أو عفواً، نحوّل انتماءاتنا وأحاسيسنا وعواطفنا إلى الأشياء الخاصة التي نمتلكها، والتي قد تكون، وأيضاً بفعلِ فاعلٍ ضميرهُ غائب وعلى الحركاتِ غالب. قد تكون، مستوردة خصيصاً لاستهلاكنا وتضييعِ وقتنا وإعماءِ بصائرنا.. لتغييبِ أخلاقنا وقيمنا وتدميرِ وعينا بذاتنا ومجتمعنا ومصائِرنا..‏

إنه مايقودنا إلى غيبوبةٍ تجعل العقل في حالة استتبابٍ لاعاقل ولا معقول.. مايقود وجودنا وحياتنا إلى تيهٍ أسود الجهاتِ والفضاءاتِ والفصول.. مايقودُ إلى تصلّبِ تفكيرنا، وإلى تشعّب سبيلنا إلى مصيرنا.. إلى تشتُّتِ تفكيرنا بحقّنا وحقيقتنا، وإلى خمول السعي للدفاعِ عن قضيّتنا وكرامتها التي هي هويتنا..‏

هكذا، نُفرّغ من وعينا بعقلنا وذاتنا وهدفنا وحياتنا.. نفرَّغ من إنسانيتنا وعلاقاتنا وثقافتنا والإبداع الذي أهدتنا إياه حضارتنا.. نُفرّغ من الانتماء إلى كل هذا الكبرياء ونمتلئ بالأشياء التي سلبتنا إلا الشعور بأننا وإياها في مهبِ الجمودِ نتبادل الجحود.. الأشياء التي لا تُنصت ولا تُحاور ولا تستجيب لشكوانا أو همومنا أو معاناتنا واحتياجاتنا..‏

نعم، هكذا نُفرَّغ من وعينا إلا بأشيائنا الجامدة.. نلتصق بها، فلا تُغنينا إلا بقلةِ الفائدة.. نتقوقع وإياها في اللاشعور، فيموت فينا إلا النفور.. النفور من كلِّ مافي الحياة، وبدءاً من غفوةٍ حالمة، وصولاً إلى صحوة مشتهاة.‏

لاعجب إذاً.. لاعجب أن يكون كلّ منا متمسّكا بأشيائه الخاصة التي صارت جزءاً من حياته الاعتيادية.. لاعجب أن يتمسك بها ويفرّط بعلاقاته التي لم تعد متينة أو صادقة أو أخلاقية. لاعجب، ولألفِ سببٍ و سبب.. لألف سببٍ أوله وليس آخره، انسلاخنا عن كوننا، والتماهي مع أكوانٍ لا تخُصّنا..‏

ولانزال.. نسعى لامتلاك مايُغنينا فلا نغتني إلا بامتلاك الجامد من الأشياء.. نتخبّطُ بحثاً عنا فنغرقُ أكثر في بحثٍ لايجدنا إلا في عماءِ العماء..‏

 

آخر الأخبار