باب الدهشة:

انيسه عبود:

(هل ما زلت أندهش بعد كل هذا الخراب الذي يفوق تصورات العقل؟)

أنا لا أعرف كيف أجيب على هذا السؤال؟‏

ولا أدري من أين أبدأ؟‏

هل الدهشة تعني الرفض لخرائب هذا الكون فقط؟‏

هل الدهشة تتروض وتصير كنمور (زكريا تامر في اليوم العاشر؟).‏

(هل يجوز لشعوب العالم الثالث – مثلنا أن يكون لديها دهشة؟).‏

ها نحن ندخل في السنة السابعة من الحرب على وطن آمن مستقل، مستقر، مقاوم, صابر. مقهور. وها نحن ما نزال نندهش؟‏

نندهش من الذين باعوا وجوههم لشيطان تركيا وباعوا أسماءهم لطغاة الصهيونية وأغمضوا أعينهم عن فلسطين وساروا نحو الغرب (آكل لحوم البشر) يستجدون المال والسلاح ليقتلوا وطنهم وشعبهم وذاكرتهم.‏

وإذ نتحدث عن الدهشة..يحق السؤال فعلاً عن وجودها بعد الذي حصل لسوريا..وبعد الذي جرى لليبيا البلد الذي كان يعيش برخاء ورفاه..فما الذي حدث لشعوب المنطقة؟ وهل نحن (العربان) لا نحب العيش إلا كتابعين وذليلين؟ فهل نحن قاصرون عقلياً ولا نقدر أن ندير ثرواتنا وبلداننا وشعوبنا؟‏

نعم يحق للدهشة أن تموت في قلوبنا..ويحق للصابرين في سوريا الذين تهدمت بيوتهم وقتل أبناؤهم ونهبت أرزاقهم.. يحق لهم أن تفور الدمعة إذا مروا بفاطمة مقطوعة الرأس..وبعلي مقطوع الأطراف ومنهوش القلب..ويحق لهم أن يتابعوا سيرهم وجثة عمرو نائمة بهدوء على باب جامعة.. أو قرب سيارة محروقة. لأن ما يجري كل يوم في سوريا وما يلفق على الفضائيات العربية يتجاوز كل دهشة وكل صرخة – آخ –‏

لكنها الدهشة..التي تصرخ عندما ترى شيئاً منافياً للإنسانية والوطنية والقيم البشرية والدينية..لكنها الدهشة..لا تموت إلا إذا ماتت الضمائر والبصائر وهوت كل صروح القيم والتاريخ وتحول الإنسان إلى حيوان يقتل ويهجم ويسبي ويعيش في الظلام كالوحوش الضارية.‏

وللحقيقة..هناك عدد هائل من العربان والسوريين قد تحولوا إلى وحوش وكائنات ظلامية لا تحب العيش في الضوء ولا في الرحمة وتفضل أن تعيش مع الدم والأشلاء والرؤوس المقطوعة والكلاب الشاردة. هذه الفئة من البشر فقدت – بشريتها وإنسانيتها ولا ترتاح إلا إذا ولغت في الدم الإنساني _ وإلا لماذا قتل السوريون بهذه الطريقة؟ وكيف لهم أن يقتلوا أطفال اليمن البائسين؟ وكيف يهدمون سد مأرب وتاريخ أقدم الحضارات؟ كيف يسيرون على حطام البشر والشجر والأوابد؟ من اي طينة جبل هؤلاء المرتزقة وماهو الفكر الذي يشربونه مع حبوب – الكبتاغون – وإلى متى يستمرون في عماهم وطغيانهم؟‏

نعم في حال كهذه قد تموت الدهشة.. ونصير كما أشياء تتحرك بلا عواطف وبلا مشاعر..نصبح آلات تبرمجها الغريزة..وأشباحا لا أثر لها في الزمن الذي يجري ويتحرك بين طبقات التاريخ.‏

لكن.. لم تمت دهشتي..ولم أستطع حتى الآن ألا أصرخ وأبكي كلما رأيت بيتاً يتهدم وطفلاً ينزف دماً وأماً تبكي ولدها ومدينة تشرب قهرها.. ما زلت أندهش من الغرب اللعين الذي لا قيم له ولا أخلاق ومع ذلك نصدقه ونؤمن بأنه أبو القيم.. ما زلت أندهش من حكام الحجاز الذي يدعون أنهم حراس البيت الحرام وهم يرتكبون كل حرام وكل إجرام..لكن دهشتي الكبرى من السوريين الذي باعوا وطنهم وأهلهم وقيمهم وتحولوا إلى أدوات في يد الغرباء والأعداء.. كيف لي أن تموت دهشتي والدم السوري يجري في الشوارع والطرقات وتقطف رؤوس الشبان بسيوف بعضهم البعض كما تقطف الورود؟. نحن الذين كنا خير شعب وأعظم شعب وكنا نعيش بسلام.. سرق سلامنا وأمننا وحياتنا الهانئة.. سرق أبناؤنا والمستقبل.. سرق الماضي والحاضر.. ننظر في دمارنا وفي هوياتنا..نندهش.. نبكي. ونقول: شكراً للدهشة التي ترافقنا فهي التي تدل على إنسانيتنا وحزننا وبالتالي هي مقياس أحاسيسنا وأخلاقنا ومنها ننطلق لندافع عن وطننا وكرامتنا.. فمن لا يندهش لا يحس ومن لا يحس لا يتحسس من يدوس على طرفه أو على رقبته!!‏

 

آخر الأخبار