أهمية الإرث الثقافي السوري العالمي وآلية حفظه وتوثيقه وحمايته

بقلم: المؤرخ الدكتور محمود السيد-المديرية العامة للآثار والمتاحف

والإعلامي عماد الدغلي

التراث الثقافي العالمي هو سجل يوثق ما أنجزته الحضارة الإنسانية منذ ظهور الانسان الأول على سطح الأرض ويشكل عاملا مهما في الحفاظ على التنوع الثقافي للمجتمعات وهو مبعث فخر واعتزاز والمعبر عن هوية الأمم الوطنية ورصيدها الدائم من التجارب والخبرات والإنجازات والدليل الحي على العراقة والأصالة. وسورية من أوائل دول العالم التي صادقت على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحفظ الإرث الثقافي ومكافحة الاتجار غير المشروع به والتي تم إقرارها تحت مظلة منظمة التربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، كاتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح واتفاقية باريس عام 1970 بشأن التدابير الواجب اتخاذها لمنع استيراد وتصدير ونقل الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، واتفاقية باريس الثانية عام 1972 لحماية التراث الثقافي والطبيعي. التراث الثقافي الأثري هو المحدد الأساسي لهوية الانسان والرابط لحاضره بتاريخه وماضيه ويمثل الحفاظ عليه احتراما للثقافات المتنوعة والتعبير عنها و يمتاز التراث الثقافي الحضاري السوري بالغنى والتنوع والتفرد في بعض مكوناته عالميا ويعتبر من أهم مكونات التراث العالمي ويمثل بشقيه المادي وغير المادي صفحات ذهبية مشرقة في قصة تطور الابداع البشري والعبقرية في العالم فسورية هي مهد الحضارات بشكل متعاقب ومتسلسل والأرض البكر لظهور القرى الزراعية ومفهوم المدنية والتمدن والفنون التشكيلية والكتابة ونظم الحساب والتعدين والبنيان والتطور العمراني… وفي سورية نجد ستًا من المناطق الأثرية السورية، التي تشمل 46 موقعًا والمئات من المباني التاريخية، مسجلة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي (مدينة دمشق القديمة 1979م، مدينة بُصرى القديمة1980م، مدينة حلب القديمة1986م، موقع تدمر1980م، قلعة الحصن2006م, قلعة صلاح الدين2006 م، والقرى الأثرية في شمال سوريا2011م). وإن التدمير وعمليات التنقيب غير المشروعة والنهب الممنهج للمواقع والأوابد والقطع الأثرية والتاريخية السورية من قبل عصابات الآثار والمجموعات المسلحة المتطرفة التي استخدمت تدمير التراث الثقافي كأداة للحرب بهدف إضعاف الشعور بالهوية وكسر الروح المعنوية والإرادة يهدّدان بتجريد الانسان من هويته الثقافية وبفقدان جزء مهم من التراث الثقافي العالمي وضياع المعرفة بتاريخ الإنسانية. وإن ضياع أي أثر أو فقده يشكل خسارة كبرى لسورية والإنسانية جمعاء.

يمثل التراث رمزاً للهوية والإنسانية الخاصة بالشعوب المختلفة ورمزاً للمعرفة والقدرات التي توصلت لها، والتي تناقلته وأعادت تكوينه، ورمزاً مرتبطاً بالأماكن الثقافية التي لا يمكن التخلي عنها فالتراث هو أهم ما يمكن أن ينقل الى الاجيال القادمة لتبقى متمسّكة بوطنها ومجتمعها.

يحدد التراث العالميّ بنوعين، هما: التراث الثقافيّ والتراث الطبيعيّ، وللتراث الثقافي جانب معنوي، يشتمل على العلوم والأدب والقيم والعادات، وجانب مادي, يشتمل على أشياء ملموسة، مثل الآثار والمباني، كما يشتمل على الأحداث التي تقع وتتناقل بين الناس، في حين يشمل التراث الطبيعيّ على معالم فيزيائية وبيولوجية تتمتع بقيمة جمالية وعلمية عالية وتشكيلات جيولوجيّة وفسيوغرافية مثل المناطق التي تحتوي على الحيوانات والنباتات المهدّدة بالانقراض، والمناطق الطبيعيّة ذات الجمال الطبيعي النادر والتي تحمل قيمة عالية ومتميزة كموقع رجم الهري في الجولان السوري.

جميع أنواع التراث الثقافي هي نتاج الحياة البشريّة والتراث هو مكون الحضارة والذاكرة الحية للشعوب وحجر الأساس الذي تقوم عليه هوية وثقافة الأُمم في ماضيها وحاضرها ومستقبلها وأهمية التراث الثقافي تتمثل في ارتباطه بماضي الإنسان ارتباطاً وثيقاً، وارتباطه في الوقت عينه بالواقع الذي يعيشه وبحاضره ومستقبله و يؤدّي فقدانه وزواله إلى زوال الهويّة وفقدان الذاكرة والإرث الثقافي السوري يمثل خبرات الإنسان السوري المتراكمة والتي اكتسبها عبر العصور من تجاربه مع البيئة المحيطة به وبمن هم حوله من الأفراد والجماعات ومن ثم عمل السوري على نقل إنجازاته وابتكاراته إلى الدول والممالك الأخرى بهدف الاسهام في تطور وتقدم الحياة البشرية. وتشكل اللغة والكتابة والتعليم وأنظمة المحاكاة الحديثة أهم وسائل انتقال التراث من الماضي إلى الحاضر بجميع أشكاله وأنواعه. ويمثل التراث الثقافي جزءاً مهماً من الوعي السياسيّ والوعي الاجتماعيُّ ويساعد على استمرارية المجتمعات، وتغيير هيكل المجتمع ليصبح أكثر سمواً ورفعة كما يساهم في تعزيز ثقافة السلام ما بين الجميع. ويشكّل مرجعاً موثوقاً، والتراث أقوى من الحاضر؛ فهو الضامن لاستمرارية الأمة وتحقّيق التوازن بين الماضي والحاضر والمستقبل، والمعيار الحقيقي الذي يوازن بين عطاء الشعوب وفكرها.

عملية صيانة وترميم وإعادة إحياء التراث في ظل الأزمة السورية الراهنة تشكل ضرورة لا ينبغي تأجيلها، نظراً للدور الهام الذي يلعبه العامل الثقافي في إعادة البناء الاجتماعي وإعادة الشعور بالهوية ويساهم في تعزيز مفاهيم التسامح والمصالحة وثقافة المحبة والسلام واحترام التنوع والاختلاف، ونبذ الصراعات والانقسام والتطرف والإقصاء، لذلك نعتبر إحياء التراث الثقافي ضرورة تستوجب العمل عليها في المراحل المبكرة لإعادة الإعمار بعد الحرب. ويتسم التراث الثقافي اللامادي في المجتمع السوري بالتنوع والغنى نظراً لتعدد الثقافات المكونة له، ويندرج تحته عناوين مختلفة، كالممارسات والطقوس الاجتماعية والفنون والموسيقا وتقاليد أداء العروض وأشكال التعبير الشفهي والمهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون والأزياء الشعبية. ويجب تجريم التدمير المتعمَّد للتراث الثقافي باعتباره انتهاكاً لحقوق الإنسان وإنجاز عملية إعادة إحياء التراث الثقافي ضمن عملية تنمية مستدامة شاملة ومستمرة.

ويقسم التراث الثقافي إلى مادي وغير مادي ويشمل التراث المادي القطع الأثرية والمعالم والمباني والأعمال واللوحات الفنية والزخارف ويقسم إلى تراث ثابت (مواقع أثرية، مباني، متاحف، نقوش ورسوم جدارية وعلى الصخور الطبيعية) وتراث منقول (قطع أثرية متحفيه، عملات، أختام محفورة، لوحات ورسوم، صور منحوته أو منقوشة، مخطوطات، طوابع…). وتراث وثائقي (الأعمال المكتوبة أو المطبوعة بمختلف اللغات، مخطوطات، رقم، أدوات حساب، أدوات تدوين

أما التراث الثقافي غير المادي فيشمل مجمل الابداعات الثقافية سواء التقليدية أو الشعبية المنبثقة عن فئة من الناس والمنقولة عبر التقاليد (اللغات، الموسيقى، الأغاني، الأدب الشفهي، الفنون الشعبية والتعبيرية كالرقص والمهرجانات، الفنون الروائية والمسرحية، المهارات التقليدية، الطقوس الشعبية والمعارف التقليدية والأزياء والآكلات الشعبية). والتراث الثقافي غير المادي تراث قابل للاندثار لذلك يجب تعزيزه وحفظه وصيانته من خلال زيادة الاهتمام بالفلكلور.

وهناك عوامل طبيعية وبشرية تهدد سلامة التراث وتعرضه للتدمير والتشويه كالإشعاع الشمسي والمناخ من حرارة ورياح وأمطار والكوارث الطبيعية من فيضانات وزلازل وصواعق وبراكين والمشكلات البيولوجية واعتداءات البشر على مواقع التراث الثقافي (النمو السكاني المتزايد وحرائق وأعمال هدم وتخريب وسرقة وترميم خاطئ وحروب وأعمال تطوير ومشروعات تنموية وغياب الوعي الثقافي والاحساس بالانتماء).

ولحماية التراث الثقافي السوري الثابت والمنقول يجب أن يتعاون المجتمع الدولي على حمايته وملاحقة من يقوم بالتعدي عليه وسرقته والاتجار به وتهريبه وتدميره. ويشكل الوعي بأهمية ما نملك وخطر الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية اللبنة الأولى في حماية وحفظ الإرث الثقافي السوري ويجب علينا اتخاذ الإجراءات اللازمة وفق أسس علمية وتقنية في حال تعرض التراث لأي خطر يتهدد سلامته وأصالته والاهتمام بالتراث فكريا وعمليا بوصفه عنصراً متجدداً يستمد عراقته من الماضي ليسهم في انطلاقة حضارية واثقة إلى المستقبل وحماية كل مكونات التراث الثقافي والحضاري وإعادة تأهيل التراث والنهوض به من خلال تنظيم العلاقة بين السياسة الوطنية وخطة العمل وتنفيذ المشاريع ونشر الوعي الثقافي بكل مكوناته وإشراك المجتمع الأهلي في تخطيط وتنفيذ مشاريع إعادة إحياء التراث الثقافي لضمان نجاحها واستمراريتها.).

.

وتوثيق الانتهاكات والأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية والأبنية التاريخية وفق أسس علمية وفنية، وإعداد مشاريع الحماية والترميم وتنفيذها وضرورة القيام بعملية الترميم بطريقة علمية صحيحة، بحيث

لا تؤدي إلى إحداث تغييرات في المباني التراثية سواء في مظهرها أو في وظائفها وطبيعة استخدامها أي استعادة الموقع التراثي لوظيفته التي اختصَّ بها عند إنشائه ليكون حافظاً للهوية. واستخدام التقنيات الحديثة المتمثلة بالأدوات والآلات وأجهزة التحكم بالحرارة والرطوبة وأجهزة الإنذار في حماية التراث واستخدام التقنيات العلمية الحديثة في الترميم للحفاظ على الآثار واستدامتها. وزيادة الاهتمام باحتياجات مواقع التراث وإدارتها وتطوير المعايير التي تؤدي إلى حفظها بصورة متكاملة والمحافظة على التراث العمراني وتنميته وتطويره واستثماره بما لا يفقده أصالته وإدارة المناطق الأثرية بطريقة حضارية مدروسة تحافظ على القيمة وطابع المكان وتجعله مقصد سياحي ومصدر دخل قومي مهم في الوقت عينه وزيادة برامج توعية الجمهور بأهمية الحفاظ على التراث ونشر مضمونه واتباع الوسائل المناسبة للبحث والاستكشاف والانتشال والتوثيق والتسجيل والتحليل والعرض بما يضمن حفظ اللقى والمواقع واستثمار كافة الموارد العلمية والتقنية والثقافية في تأمين حماية فعالة للممتلكات الثقافية وصونها وإحيائها وإطلاع السكان المعنيين وإشراكهم في تخطيط عمليات الصون وتنفيذها وتلبية الاحتياجات العاجلة لصون الممتلكات المدرجة في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر وتسجيل كل ما يملك مواصفات الدخول في لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو والحفاظ على هوية المدن الأثرية والتاريخية وتراثها ومساعدتها في تحقيق مشروعاتها الانمائية وإعادة توظيف مبانيها بوظائف جديدة وعصرية واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الآثار السلبية المحتملة جراء الأنشطة غير المرخص بها أو نتيجة لبعض الأنشطة المشروعة التي يمكن أن تؤثر عليه وتوثيق القطع الأثرية وفق الأسس العلمية، وتسجيل القطع الأثرية المنهوبة والمهربة إلى الخارج ضمن القائمة الحمراء بهدف منع بيعها أو تصديرها بشكل غير قانوني واسترجاعها في مرحلة لاحقة. والاهتمام بالعرض المتحفي والحفاظ على مقتنيات المتاحف وتشجيع التداول القانوني للمعروضات بين المتاحف والمؤسسات الثقافية المختلفة من خلال عمليات التبادل والإعارة مع ضمان حماية القطع المعارة أثناء النقل وتأمينها ضد المخاطر التي قد تتعرض لها أثناء الشحن واعتماد مجموعة من التدابير الرامية إلى تحسين نظم الأمن في المتاحف والمؤسسات المماثلة وتوفر حماية أفضل.

ويجب تشجيع تبادل المعلومات والبحوث بين علماء الآثار وغيرهم من المتخصصين وأصحاب القرار في مجال التراث الثقافي وعقد المؤتمرات وتمويل مشاريع الخدمات البلدية والبيئية والبحوث والتدريب وإصدار مبادئ ومعايير وقوانين خاصة تتوافق مع الواقع الحالي وتساهم بشكل فاعل ومؤثر في حماية التراث والممتلكات الثقافية وبما يتوافق مع النظم الدستورية والقوانين الدولية وتطوير التشريعات القانونية والمعايير التخطيطية بصورة تضمن الدفاع ضد أي معالجة قد تضر بالمواقع التراثية وتوفر مبادئ توجيهية لإجراء معالجة صحيحة ومواكبة المستجدات الدولية في هذا الإطار.

ومن الضروري إدخال مفهوم حماية التراث العالمي في البرامج التربوية والتعليم على نطاق واسع كون التربية والتعليم أهم أهداف التنمية المستدامة والوسيلة الأساسية في نقل الإرث الثقافي والتوعية بأهمية الحفاظ عليه وتأهيل الكوادر العلمية التي تجسد الإطار الأساسي في مجال الحماية والصيانة وتحسين البيئة التاريخية وتنظيم وإعداد مشاريع وورش عمل تسعى لتعليم التراث والحفاظ عليه من الاندثار وتدريب الكوادر الوطنية على الصيانة والبحث العلمي الموجه نحو تطوير موارد التراث الثقافي والاستفادة منها.

والواجب في هذه المرحلة تفعيل التعاون مع المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية العاملة في مجال حماية التراث الثقافي وإدارته وتعزيزه والاستفادة من التشريعات والقوانين الصادرة عنها كاليونسكو والمجلس الدولي للمتاحف (أيكوم) والمركز الدولي لدراسة ترميم الممتلكات الثقافية وصونها (الإيكروم) والمجلس الدولي للنصب التذكارية والمواقع الأثرية (الإيكوموس) واللجنة الدولية لإدارة التراث الأثري (أيكام) والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (إليسكو) والصندوق العالمي للآثار وصندوق التراث العالمي ولجنة التراث العالمي والبنك الدولي ومنظمة التراث الثقافي بلا حدود, مؤسسة الأغا خان للثقافة, مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (ارسيكا), المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو)…

وحفظ التراث الكترونيا بتسجيله وتوثيقه بالمعلومات العلمية الصحيحة والموثوقة والصور بهدف إنشاء سجلٍّ وطني للمواقع الأثرية والتاريخية في سورية والاعتماد على نظام التوثيق العالمي الالكتروني المعتمد دوليا إلى جانب النظام العملي المفصل والمعتمد محلياً مع محاولة توحيد المصطلحات الخاصة بالتوثيق الدولي. والتوعية على المستوى الوطني والدولي وبخاصة بين الشباب بأهمية التراث وضرورة حمايته نظرا لدوره الإيجابي في التقارب والتفاهم بين البشر وتشجيع صناعة السياحة وتوجيهها بما يضمن تعزيز التراث والثقافات الحية والحد من الآثار السلبية للسياحة على المواقع التراثية والتاريخية والحدائق واسترجاع الممتلكات الثقافية المسروقة وحماية وتعزيز وتنوع أشكال التعبير الثقافي والاهتمام بالحرف اليدوية التقليدية وتنشيطها واتخاذ التدابير الضرورية وتخصيص التشريعات التي تضمن حماية الفلكلور وصونه وتطويره وحفظ مصادره بطريقة سليمة وتشجيع البحوث الهادفة إلى إنشاء وتطوير نظم لحصر وتسجيل وتصنيف الفولكلور وإدراجه في سجلات إقليمية وعالمية نظرا لهشاشته وقابليته للاندثار. ومراجعة النصوص التشريعية الحالية المتعلقة بحماية التراث الثقافي وتعديلها، ومعالجة الثغرات القانونية الموجودة وإصدار تشريعات جديدة تناسب مرحلة إعادة الاعمار وتجرم العبث بالمواقع الأثرية ونهب الممتلكات الثقافية وإيجاد قواعد قانونية متكاملة لحماية وإدارة وترويج التراث الثقافي السوري بما يتناسب مع إمكانات هذا التراث ومكوناته والفرص التي يحملها وربط القواعد القانونية بإجراءات وقرارات تنفيذية تساهم بشكل فعال بإيجاد البيئة الملائمة لضمان ثقافة وفاعلية تطبيق القانون، وتأخذ بعين الاعتبار التطوير المؤسساتي المقترح للجهات القائمة على إدارة وحماية وترويج التراث الثقافي واعتماد رؤية سياسة وخطة جديدة تقوم على أسس تشاركية ونظرة تشجيعية تحفيزية وإدارة تشاركية لامركزية في هذا المجال بالإضافة إلى الحاجة لتنمية القدرات المجتمعية، وتدريب المشتغلين والمتطوعين من المجتمعات المحلية في عملية إحياء التراث على النشاطات الموكلة لهم، لضمان تنفيذها وفق المواصفات المقبولة.

وحماية التراث الثقافي السوري وإدارته واستثماره والترويج له يتطلب إصلاحات مؤسساتية وتعميق روح الانتماء للمؤسسة بالنسبة للعاملين في قطاع التراث الثقافي بما يكفل تهيئة المناخ الملائم للإبداع والحفاظ على الكفاءات الوطنية والخبرات النادرة وتطويرها والاستفادة منها ومحاسبة كل من يهمشها أو يدفعها للهجرة. واعتماد حصيلة التقارير وتوصيات ورشات العمل التي عُقدت خلال الفترة الماضية وانتهاج سياسة تحفيزية تشجيعية مالية تواكب إجراءات الحفاظ والتسجيل والحماية للثروات الثقافية وتحقيق التنسيق والتكامل بين القوانين النافذة والتي تتقاطع في المسائل المُتصلة بالتراث الثقافي. وايجاد سلطات إدارية كفؤة مزودة بالأدوات والوسائل والتدريب اللازم. وإيجاد آلية واضحة للتنسيق بين الجهات الحكومية المحلية. وتعميق معرفة متخذي القرار فيما يخص قضايا حماية وإدارة الإرث الثقافي والاستفادة من تجارب الدول التي تعرضت لمشاكل مشابهة. وعدم منح رخص التنقيب في مواقع أثرية جديدة ما لم تسمح الموارد البشرية، والمادية بضمان حمايتها وإدارتها بشكل فعال. والعمل على استصدار قرار دولي من مجلس الأمن يُجرم الاتجار بالممتلكات الثقافية السورية. ونشر كتب تتعلق بحفظ وصون التراث والمحافظة عليه.

قامت الكوادر الوطنية السورية خلال الأزمة الراهنة بمجهودات عديدة في إنجاز العديد من مشاريع حماية الممتلكات الثقافية ومن أهم هذه الإنجازات ما قام به كادر وطني من المديرية العامة للآثار والمتاحف مؤلف من الدكتور محمود السيد والدكتور كميت عبد الله و المرممين برهان الزراع و محمد كايد وبتكليف من وزارتي الثقافة والأوقاف بترميم الجزء المتضرر من لوحة الفسيفساء الأموية الأصلية التي تزين الواجهة الخارجية الرئيسية لحرم الجامع الأموي بدمشق والتي أصيبت بتاريخ 19 /11/2013 بقذيفة هاون تسببت بفقدان جزء من اللوحة بقطر 1 متر وانفصال في محيطها ناتج عن ضغط الضربة كما تسببت القذيفة بفقدان الحامل الرئيسي للوحة الخابور وتم ترميم الجزء المتضرر من لوحة الفسيفساء بدقة ودون المساس بمضمون اللوحة الأثري و الفني و الشكل المفقود من اللوحة يتمثل ببقايا أعمدة قصر مع المدخل الرئيسي له وبقايا لمسقط سقف جملوني وبعض المواضيع والعناصر النباتية و في عام 2014 رمم الكادر نفسه لوحة الفسيفساء التي تزين الحرم من الداخل والتي لم ترمم مطلقا منذ الحريق الذي تعرض له الجامع الأموي عام 1893 م والتي كانت تعاني أضرارا بليغة وفي حالة حفظ سيئة جدا و كانت معرضة للسقوط و يعتقد أن فيها أجزاء بسيطة جدا تؤرخ بالعصر الأموي وبعض أجزاء اللوحة تؤرخ على الأرجح بالقرن 11 و أجزاء أخرى تؤرخ بالفترة الواقعة ما بين القرن 12 و القرن 13 م.

وبموجب القرار الوزاري رقم 259آ والقرار رقم 999 الصادر بتاريخ 16-9-2014 قام الكادر الوطني نفسه بترميم هيكل المعبد في مدينة عمريت الأثرية الواقعة على بعد 7 كم جنوب مدينة طرطوس والممتدة آثارها على مساحة تقارب 6 كيلومترات مربعة.

كما رمم الكادر نفسه واجهة المدرسة السليمية في التكية السليمانية بدمشق. وطبق منهجية علمية حديثة لأول مرة في سورية في قلع ونقل لوحات الفسيفساء من أرض المواقع الأثرية (لوحة الفسيفساء المكتشفة في موقع المنطار الأثري جنوب محافظة طرطوس) وفي حفظ لوحات الفسيفساء لأول مرة في سورية في أرض الموقع الأثري وترميم لوحة الفسيفساء النادرة عالميا والمكتشفة في عين الحلوة في مدينة اللاذقية وقلع و نقل و ترميم لوحة الفسيفساء المكتشفة في موقع برهليا في وادي بردى وترميم الرسوم الجدارية المكتشفة لأول مرة في مدينة شهبا وتأهيل كوادر وطنية من طلاب جامعة دمشق و معهد الآثار وتشكيل كوادر وطنية من المرممين وقراء النقوش الكتابية القديمة منذ عام 2012…

ما سبق يؤكد أن التراث الإنساني بمختلف أشكاله يمثل قيمة مضافة لكل دولة على حده ولا يعني هوية وحضارة دولة بعينها بقدر ما يعني حضارة الإنسانية والعالم أجمع فالتراث يمثل كتابا دونت بين صفحاته منجزات الحضارة البشرية وثقافات الأمم ومصدراً أساسياً لكتابة التاريخ والمسؤولية حيَّاله يتقاسمها الفرد والدولة والمجتمع الدولي ومن الأولويات الرئيسية خلال مرحلة إعادة الإعمار تعزيز مفهوم التراث الثقافي وتوثيقه والحفاظ عليه وإبراز إنجازات هذا التراث فيما يخص الآثار والتراث العمراني والتراث الثابت والمنقول وخلق إطار تشريعي جديد يؤمن الحماية القانونية لمجمل مكونات التراث الثقافي السوري، ويواكب التطور التشريعي الدولي في هذا المجال ويكفل الموائمة مع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سورية، ويؤمن الأساس القانوني لتحقيق رؤية جديدة للتراث الثقافي وإعادة بناء قدرات المؤسسات القائمة للنهوض بهذه المهام ووضع مبادئ في القانون لتثقيف وتوعية المجتمع بأهمية حماية واحترام التراث الثقافي ورفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية التراث وتغيير نظرة وسلوك المجتمع حيَّال التراث من خلال ابتكار إجراءات تشجيعية أكثر قدرة على توجيه سلوك عامة الناس، بدل اللجوء إلى الإجراءات الزجرية والعقوبات الجزائية المعتمدة والتي أثبتت ضعف فعاليتها خلال الأزمة الراهنة.

آخر الأخبار