الوهابية تتحطّم.. السعودية تفقد السيطرة

بسام هاشم :البعث

انتهت الزعامة السعودية ومملكة آل سعود تدخل النفق!. لربما كان ذلك نتيجة مباشرة للأخطاء الاستراتيجية القاتلة التي ارتكبت في سورية، ولربما شكّلت سنوات الحرب على سورية عدسة كاشفة لكل الاختلالات السياسية والأخلاقية التي ميّزت الأداء السعودي في التعاطي مع مختلف القضايا الإقليمية والدولية طيلة عقود ماضية، ولكن المؤكّد أن أزمة الاستقواء على مشيخة قطر، والأنانية والجشع اللذين يظهرهما سلمان حيال مسألة وراثة العرش، والتهوّر الذي يسم سلوك ابنه محمد – بما في ذلك استعداده لخوض حروب خارجية أريد لها أن تضفي عليه صورة البطل، ودخوله في شراكات/صفقات خارجية غير مضمونة- عملت، مجتمعة، على تفجير التناقضات البنيوية لنظام هرم وجد نفسه، دفعة واحدة، في مواجهة حتمية مع تحديات ديموغرافية واقتصادية وأيديولوجية واستراتيجية غير مسبوقة، وهدّدت جدياً، ولأول مرة، وحدة وتماسك العائلة المالكة، وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام الاحتمالات الوشيكة لنهاية الوهابية، بل والانزلاق إلى مخاطر استبدالها بنوع من عنصرية سعودية محلية لا تقل عنفاً وشراسة وعدائية، في خضم مد هائل من الشعور بالخسارة الشاملة.

تجربة النار الجديدة اتخذت، للوهلة الأولى، شكل محاولة يائسة لضبط “الحديقة الخلفية”، لتنتهي، في غضون أيام معدودة، إلى الانقياد شبه الأعمى لسياسة أبناء زايد في أبو ظبي. انطلقت المملكة من “مستوجبات” تأكيد زعامتها الخليجية والدينية – كترجمة فورية للتعهدات التي قطعتها لترامب خلال قمم الرياض الثلاثة والتوافق على عزل الجمهورية الإسلامية في إيران- لتجد نفسها مضطّرة لإحداث أول شرخ داخل “جينيالوجيا” الوهابية، وعبر الاستعانة بأبناء ابن عبد الوهاب أنفسهم، لنشهد، من الآن فصاعداً، بروز “وهابيتين” أولاهما سعودية والثانية قطرية. أما زعامة عالم الإسلام الأمريكي الرسمي -وفق الترسيمة السعودية على الأقل- فعليها، بعد الآن، أن تكون ضحية تجاذبات وصراعات، مرشّحة باضطراد للانتقال إلى العلن، بين الوهابية التقليدية وبين العثمانية الجديدة في أنقرة، وبين منظمة المؤتمر الإسلامي وبين هيئة علماء المسلمين وطبعات الهيئات والمنظمات والمحافل الجديدة والمُستحدثة في الحرب الأيديولوجية المنتظرة.

وفيما يخصّ “مجلس التعاون الخليجي” فهو يغادر حالة الموت السريري، التي لازمته طوال السنوات الخمسة والثلاثين الماضية، لكي يكرّس واقع الانقسامات والحروب السياسية والاقتصادية الخفية، الثنائية والجماعية، مع ما يمكن أن يخلفه ذلك من تآكل في العلاقات القبلية والأسرية قد ينتهي إلى حروب اجتماعية يومية ضارية في ظروف تراجع العائدات النفطية وتدهور مستويات المعيشة والخلل الخطير في توزيع الموارد، وفي ظل الانفاقات الوهمية على مشاريع عملاقة لا تنطوي على أية جدوى اقتصادية أو اجتماعية، وعقود تسلّح أسطورية الغرض منها استرضاء الإدارة الأمريكية أولاً وأخيراً، وبعيداً عن أية اعتبارات أو دوافع أمنية حقيقية وواقعية.

فقدت مملكة آل سعود زعامتها الدينية، “الاسمية” حقيقة، خلال أقل من أسبوع، لتترك الأسئلة أكثر من معلّقة حول مصير التحالف الإجرامي العسكري الذي تقوده في اليمن، خاصة مع توجّه الباكستان، حليفها الأقرب، إلى إيران وتركيا، وبدء تحسس ميليشيات الفريق البشير لخسائرها في تعز، فيما تهاجم أندونيسيا وينأى الأردن والمغرب جانباً، والأهم من ذلك، لربما، التشكيك في سلوك السعودية الأخلاقي كسلطة إسلامية تفرض الحصار الغذائي والتمويني على “دولة إسلامية شقيقة” في رمضان المبارك، وتصادر أموال وممتلكات المعتمرين، وتمارس التمييز في قوائم الحجيج، وتمنع لم شمل العائلات الواحدة على جانبي الحدود، لاعتبارات عنصرية وشعبوية أنانية محضة ترتبط حصرياً بمستقبل العائلة والصراع على العرش.

قطر اليوم خارج الحظيرة السعودية، بل هي في تحالف عسكري، خارج المنظومة الخليجية التقليدية، مع تركيا. والحرب في اليمن مرشّحة للعودة إلى حدودها الأولى كمشروع توسعي سعودي ينبغي له أن يصب في رصيد ولي ولي العهد في طريقه إلى “الخلافة”، دون استبعاد إمكانية تطور هذه الحرب إلى صراع سعودي إماراتي للسيطرة على اليمن. أما عملية الانتقال السياسي فهي، تدريجياً، بيد نظام أبو ظبي، الوكيل الفعلي الحالي للإدارة الأمريكية في شبه الجزيرة العربية، ومستقبل العرش يبقى معلّقاً بشعرة القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية المقدّمة لترامب قبل وبعد زيارته العاصمة السعودية. لقد فضح أسلوب إدارة الأزمة الأخيرة عجرفة وغطرسة وداعشية السياسة الخارجية السعودية، وكشف عُري هذه السياسة وحماقتها باعتبارها مجرد ارتماء أعمى في أحضان إدارة أمريكية هوجاء ومتقلبة ولا خطوط واضحة لعملها.

الوهابية تتحطّم.. والسعودية تفقد السيطرة.. والشرق الأوسط بانتظار دورة جديدة من التحوّلات التاريخية، الواعدة هذه المرة!.

آخر الأخبار