انقلاب وانقلاب مضاد في تركيا

بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، تموز 2016، أجرى مايكل يونغ محرّر مدوّنة “ديوان” ومدير تحرير في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حواراً مع الأكاديمي هنري باركي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ليهاي في ولاية بنسلفانيا الأميركية، وقد شغل باركي منصب مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويلسون للباحثين الدوليين (2015-2017)، وفيما يلي نص الحوار:

في الخامس عشر من تموز يكون قد مرّ عام على الانقلاب الفاشل في تركيا. هل كانت ثمة فرصة أن ينجح ذلك الانقلاب، أصلاً؟.

كان محتماً، من البداية، أن يفشل. ولو قلنا أنه كان شغل هواة، لكانت تلك إهانة للهواة. فبادئ ذي بدء، عدد الجنود الذين خرجوا إلى الشارع كان قليلاً للغاية، وبدا على كثيرين منهم أنهم لايعرفون لماذا خرجوا، وما الذي كان يفترض بهم أن يفعلوه. الأهداف التي جرى اختيارها كانت عجيبة – أحد طرفي جسر فوق البوسفور، ومحطة تلفزيون حكومي ذات جمهور محدود – ولم يبدُ أن هناك أي تنسيق بين الوحدات. بلغ عدد القتلى في تلك الليلة 249 شخصاً، أصيب بعضهم بطلقات نارية على جسر البوسفور، في ظروف بالغة الغموض، عندما أصبح رافضو الانقلاب على مسافة قريبة من الجنود. وأغرب ما في الموضوع كان الموعد المختار لتنفيذ الانقلاب، إذ إن معظم الانقلابات تحدث عندما تكون حركة السير خفيفة، وعندما يكون من السهل، نسبياً، اعتقال قيادات الدولة. لكن بدلاً من ذلك، تمّ اختيار العاشرة مساء، وهي ساعة ازدحام كثيف في مدينة نابضة بالحركة مثل اسطنبول، وبخاصة يوم جمعة.
إذا كان الانقلاب غير مخطط له جيداً، فكيف يمكن تفسير أصوله؟ نحن، في الحقيقة، لا نعلم ما جرى تلك الليلة. هناك رواية واحدة لما جرى، وهي رواية الحكومة التي اختارت أن تستخدم الحدث ومقاومة جماعات من المواطنين لتنسج السردية “البطولية” الخاصة بها. لقد استُخْدِمت أحداث تلك الليلة لتطهير المجتمع من المعارضين كافة، والأهم أنها استُخدِمت كوسيلة لكسب التأييد لسياسات الحكومة. الحكومة تُصّر على أن الانقلاب دبرته حركة غولن والمتعاطفون معها داخل القوات المسلحة. وهذه الحركة يقودها حليف سابق للرئيس رجب طيب أردوغان، هو رجل دين يدعى فتح الله غولن، يقيم الآن في بنسلفانيا، بعد أن قرر الابتعاد عن تركيا، قبل صعود “حزب العدالة والتنمية” الذي يقوده أردوغان.
تزعم الحكومة أن حركة غولن اخترقت القوات المسلحة التركية عبر زرع من جنّدتهم من الشباب كطلاب في الأكاديميات العسكرية. وبالنظر إلى أن المرء يحتاج ثماني سنوات قبل تعيينه ضابطاً برتبة ملازم ثانٍ، وأن غالبية المتهمين هم ضباط رفيعو الرتبة، فمن الواضح أن هذه خطة طويلة الأمد ومثيرة للدهشة. وتحرص الأنساق العليا من العسكريين الأتراك، دائماً، على عدم الاكتفاء بتفحّص خلفيات كوادرها، بل هي تواصل رصدهم. وبفرض أنه كان هناك متعاطفون مع غولن داخل القوات المسلحة، فعدد من طُرِدوا من الخدمة بعد المحاولة الانقلابية هو، بحد ذاته، أمر لا يُعقل، على الإطلاق. فهناك، أولاً، 149 لواءً وفريقاً أول، جرى استبعادهم وحوكم كثير منهم. ويمثّل هذا العدد 46 في المئة من تراتبية كبار الضباط. والعجيب أن معظم هؤلاء كانوا يُعَدّون بين أصدقاء الغرب. وفي الحقيقة، كان كثيرون منهم في مهام خارج البلاد، في قواعد عسكرية تابعة للناتو، عندما وقع الانقلاب، وجرى استدعاؤهم إلى تركيا، على الفور. عندئذ جرى توقيف عدد كبير منهم، وقلّة قليلة من هؤلاء هي التي مثلت أمام القضاء، أو صدرت بحقها إدانة رسمية، حتى الآن. ولم يقتصر الأمر على ضباط برتب لواء وفريق أول، بل طال التطهير أيضاً عقداء ورواداً من ضباط الأركان. ويمثّل ضباط الأركان (kurmay بالتركية) العمود الفقري للقوّات المسلّحة التركية. فهم من يديرون القسم الأكبر من المؤسسة، وبعد ذلك يُرَقَّون لرتبة لواء أو فريق. ولو أن كل هؤلاء الضباط كانوا متورطين بالمؤامرة، فلماذا إذاً كان عدد الجنود في الشارع قليلاً إلى هذا الحد، ولماذا كان التخطيط والتنفيذ على هذه الدرجة من السوء؟

أنت إذاً ترى رواية الحكومة غير قابلة للتصديق؟.

ما يجعل رواية الحكومة للأحداث غير قابلة للتصديق هو حجم الاعتقالات وإجراءات الفصل من الخدمة، علماً أن إجراءات الفصل من الخدمة طالت مؤسسات غير عسكرية، عامة وخاصة. بالإضافة إلى ما يزيد عن150 صحافياً، و 4000 من العاملين في الجامعات، طُرِد 150 ألفاً من شاغلي الوظائف العامة، وأودع السجون أكثر من خمسين ألف شخص. وكان بين هؤلاء معلمو مدارس وقضاة، من مناطق نائية في البلاد، وكذلك مواطنون عاديون، وصودرت شركات تجارية عديدة، أيضاً.
تكاد التهم الموجهة إلى هؤلاء أن تكون مضحكة. على سبيل المثال، الأخوان أحمد ومحمد ألطان، وهما أكاديميان وصحافيان يحظيان بتقدير واسع النطاق، متّهمان مع آخرين، بتوجيه “رسائل مُشَفَّرة” قبل الانقلاب بيوم واحد، على شاشات التلفزة، لتشجيع الانقلابيين. وفي معظم الحالات، الاتهام العام بعضوية جماعة إرهابية مسلحة، وهو ما توصف به منظمة غولن، يكفي للإبقاء على أي شخص في السجن إلى أمد غير محدّد. ومن هذه المجموعة، تحديداً، قدري غورسيل المسجون منذ 240 يوماً، وهو الكاتب في صحيفة “جمهورييت” الذي ظل، لسنوات، يكتب عن خطورة حركة غولن.
من هنا، حتى لو كانت فرضية أن الانقلاب كان حقيقياً صحيحة، فما تلاه كان انقلاباً مضاداً استهدف، في الغالب، مواطنين أُخِذوا على حين غرة. هدف أردوغان هو تطهير المجتمع من كل معارض محتمل. ومن المؤكد أن حركة غولن تمكنت من أن تجد لنفسها مواقع آمنة داخل القضاء والشرطة، لكنها فعلت ذلك بتواطؤ مع أردوغان. وقد تعاون الطرفان في العديد من الأمور: من إصلاحات الجهاز الإداري إلى إحكام السيطرة على العسكريين، حتى جاء وقت لم يبق في المجتمع التركي من القوى التي يعتد بها من يستطيع أن يحافظ على تماسكه سوى هذين الطرفين.

كيف تأتّى للرئيس أردوغان أن يُخضع القوات المسلحة، بعد عقود كانت فيها المؤسسة مُفرطة القوة وتُشكّل تهديداً للقادة المدنيين؟.

وقع انقلاب تموز 2016 بعد أن أصبحت القوات المسلحة التركية قوة مستنفَدَة سياسياً. كانت قد فقدت كامل قوتها التقليدية كمرجعية نهائية للسياسات المحلية، بعد أن تورطت في حسابات مخطئة، في 2007، عندما حاولت وقف صعود أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، الذي كان آنذاك وزيراً للخارجية، عبدالله غول، لمنصب الرئاسة، بذريعة أن قرينته ترتدي غطاء للرأس. وعندما تحدى أردوغان وأنصاره الجيش، عبر الدعوة إلى الانتخابات المبكّرة، التي جرى التنافس فيها ضمناً، بشأن الموقف حول كل من إنجازات حزب العدالة والتنمية ومن قضية غطاء الرأس، انحازت جماهير الأتراك إلى حزب العدالة والتنمية، على نحو حاسم.
وهكذا رُوِّض العسكريون. لكن تطهيرات مابعد الانقلاب تشير إلى أن أردوغان لايزال يشعر بالقلق من القوة المحتملة للضباط، بخاصةٍ من له اتصالات منهم بحلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد جاءت إجراءات التطهير ذات الطابع الدرامي في مصلحة الحكومة تماماً، فهي ساعدت على التخلّص من أنصار غولن، وكذلك من معارضين محتملين في صفوف الضباط. وفي وسع أردوغان الآن أن يصوغ العسكرية التركية على صورته.

ما هي نقاط الضعف لدى أردوغان الذي يتنامى الاعتقاد بأنه كلي القوة؟.

نجاحات أردوغان هي نقطة ضعفه. فكلما اكتسب مزيداً من السلطة، على حساب مؤسسات أخرى، كلما بات أكثر عُرضة للاستهداف. لدى أردوغان ميل لإلقاء اللوم على الآخرين، بخاصة القوى الغربية، كلما سارت الأمور على غير ما يرام. لكن بعد أن تركّزت السلطة في يديه عقب الاستفتاء الدستوري في نيسان 2016، لم يعد في وسعه مواصلة التهرُّب من المسؤولية. فإذا كان هناك تراجع اقتصادي، ربما سيتحرّك لتفادي تحمّل المسؤولية، لكن هذه المسؤولية ستقع على كاهله في نهاية المطاف.
لايكفّ أردوغان عن إحاطة نفسه بأشخاص وبُنى مؤسسية أخرى تتبنى تفضيلاته وأفكاره. وعندما تأسس حزب العدالة، كانت نواته القيادية تتألف من ستة إلى تسعة من كبار القادة، إضافة إلى أردوغان. أُزيح هؤلاء جميعاً. وكان هؤلاء هم القادة القادرون على تحدّي المواقف والخيارات السياسية، وطرح المُساءلة حولها. لكن الآن، أردوغان محاط بحلقة مُحْكمة من الموافقين.
الحقيقة أن المجتمع التركي يعاني انقساماً عميقا. وقد أسفر الاستفتاء الدستوري الذي دعا إليه أردوغان، في نيسان 2017، عن أضيق هامش ممكن من المؤيدين. ولم ينحصر افتقاد الاستفتاء إلى النزاهة في استبعاد المعارضة في معظم منافذ الإعلام، ولا في توقيف المعارضين بشكل سافر في الشوارع، بل وأثارت مخالفات التصويت وتغيير القواعد في آخر لحظة الشكوك في مدى شرعيّة الاستتفتاء. أعظم نجاحات أردوغان، حتى الآن، هو تمكّنه من شقّ صفوف المعارضة، فهو استفاد من سوء الحظ الملازم لحزب المعارضة الرئيس، حزب الشعب الجمهوري، ومن قدر مكافئ من غياب الفاعلية عند زعيمه كمال كليجدار أوغلو.
لكن أردوغان، الذي يبالغ في تجاوز المتعارف عليه، دفع باستفزازته كمال كليجدار أوغلو إلى أن يفعل ما لم يتوقعه منه أحد: إطلاق مسيرة جماهيرية، استمرت خمسة وعشرين يوماً، من أنقرة إلى اسطنبول، احتجاجاً على سجن أحد نواب حزبه في البرلمان. أنعشت هذه المسيرة، التي انتهت يوم الأحد، في التاسع من تموز، الأمل في أن تتمكّن المعارضة، حقاً، من تنظيم خمسين في المئة، أو ما يقارب ذلك، من السكان الراغبين في مقاومة حكم أردوغان متزايد القسوة.
والحال أن أردوغان، وعلى رغم ما يتميّز به كسياسي من حصافة، وقوة، ودهاء، هو من نواحٍ كثيرة أسوأ عدو لنفسه.

كنت بين من اتّهمتهم الحكومة التركية بالتورّط في الانقلاب. نفيت ذلك علناً، لكن لماذا استهدفتك السلطات التركية؟.
اتهامي بأني كنت واحداً ممن نظّموا المحاولة الانقلابية يُبيّن، بأكثر من طريقة، الحالة الذهنية لدى أردوغان ومؤيديه. والسبب في اختياري ضمن من وُجّهت إليهم الاتهامات أني كنت في اسطنبول ليلة الانقلاب، وكانت هذه وسيلة مناسبة للربط بين الولايات المتحدة وبين المحاولة الانقلابية. كنت قد نظّمت ورشة عمل حول إيران وجاراتها على جزيرة قبالة ساحل اسطنبول. وأطلقت الصحافة الموالية لأردوغان، وهي اليوم تقارب التسعين في المئة من منافذ الإعلام العامة والخاصة في تركيا، لنفسها العنان بابتداع سيناريوات مثيرة حول أنشطتنا. ولم يثنهم عن ذلك، ولم يثن القيادة السياسية عن تكرار مزاعمهم، المرة تلو الأخرى، أن هذا كله كان هراء. وبلغ الأمر حدّ جعل الكثيرين يعتبرونه حقيقة، من بين هؤلاء مستشارو الرئيس.
ساعدت هذه التلفيقات السلطات على تعزيز مواقعها لأنها، إلى حد ما، ساهمت في إضفاء الشرعية على التطهيرات التي اعتزموا إجراءها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.