«جنيف2» بين الإرادة السورية لإنجاحه والإرادة الأمريكية لإفشاله – د. سليم الحربا

تابعنا في اليوم الموعود الجلسة الافتتاحية لمؤتمر جنيف (2) ولاحظنا خطابين,

أحدهما خطاب غير واقعي افتراضي فضائي سحابي يجتر تعابير ومفردات تذكرنا بـ«شهود العيان» وتعيد طحن وعجن أوهام وأحلام يعجز عن تفسيرها ابن سيرين ويخجل من طرحها «علي بابا والأربعين حرامي» فظهر هذا الخطاب وخاطبوه وكأنهم من مجرة أخرى قذفتهم المصادفة إلى جنيف وجعلتهم الغفلة يتحدثون باسم سورية فسقطوا وسقط القناع عن الوجوه القبيحة وتطايرت أوراق التوت، أما الخطاب الآخر فهو خطاب واقعي ملحمي منهجي وطني شكل مرافعة ورافعة إنسانية علمية شعبية سورية قدمها الوزير المعلم على شكل أيقونة وطنية رصينة تحمل إنجازات الجيش العربي السوري وصمود وإرادة الشعب العربي السوري والثوابت الوطنية السورية وتوجيهات السيد الرئيس بشار الأسد,

 

فتحوّل الوفد الحكومي السوري إلى أسود صالت وجالت في ميدان جنيف وزأرت في وجوه الضباع والذئاب, وقد وجّه الوزير المعلم بضربة ولكمة وكلمة معلم عدة صفعات أولاها على رأس الأجرب وفريقه عندما قال لهم لقد بعتم أنفسكم للأجنبي ولم تقدموا للشعب السوري إلا الاستجداء للعدوان, وثانيتها, صفعة على وجه كيري عندما قال له: لا أنت ولا أحد في هذا العالم يعطي أو ينزع الشرعية عن رئيس أو حكومة أو قانون أو دستور وهذا حق وشأن الشعب السوري ولا أحد سواه, أما الصفعة الثالثة فكانت على رقبة الهزاز سعود الفيصل عندما قال الوزير المعلم: إن هناك أنظمة تطالبنا بلا حياء بالديمقراطية وهي تغطّ في غياهب الجاهلية وتصدّر لنا الوهابية التكفيرية الإرهابية, وأما الصفعة الرابعة فكانت على فم خالد العطية القطري ليوقف مديحه للوهابية التي تغزو الفضاء إرهاباً, والصفعة الخامسة كانت على «قفا » حرامي المعامل ومهندس الأصفار وراعي «النشامى» من الإخوان والوهابيين السلجوقي العثماني القذر أوغلو, وماتبقى من وجوه جوقة العدوان الصفراء وزعّ عليهم المعلم تفلة عندما قال: هذه هي «ثورتكم» المزعومة التي تقودها «داعش» و«جبهة النصرة» وتفرّخ كل يوم مواليد إرهابية تأكل لحوم البشر وانتظروا بضاعتكم التي سترد إليكم. وماقاله المعلم ولم يفهمه البعض أو الذي لم يقله تكفّل به أعضاء الوفد من وزير الإعلام ونائب وزير الخارجية والمستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية ومندوب سورية لدى الأمم المتحدة ليسمع من به صمم أو ليتعلّم من لايعلّمه إلا التكرار من تأكيد أن النظام لن يرحل وأن الثوابت الوطنية خط أحمر لاتطرح في البازارات والمعارض وأن ماقيل من جوقة العدوان هو فانتازيا وأوهام لاتصرف في الميدان الواقعي الوطني السوري في سورية ولا في جنيف.

أولاً: مشكلة «جنيف 2» في «جنيف1»

 

حددت سورية بوصلة المؤتمر عندما قال المعلم إننا أتينا لوقف القتل والإرهاب في سورية ولوقف زحف التتار والمغول ولحماية الإسلام والمسيحية والمشرق وحملنا آمال وآلام الشعب السوري وتضحياته وثوابتنا الوطنية, وقد وافقت سورية على الذهاب إلى جنيف من دون شروط ولاتقبل شروطاً من أحد, وتقول التقارير إن الروس أخذوا وعداً من الأمريكي بألا يتحدث في أي شرط وخاصة ما يسمى «تنحي الرئيس الأسد» وهذا ماأغضب الروس من كلام كيري في المؤتمر, وكان (الجربا) قد حضّر (مفاجأة) عندما طالب بان كي مون بأن يوقع الوفد الرسمي السوري على موافقته على «جنيف 1» ولتأكيد (المفاجأة) طالب السعودي التأكيد على ذلك لأن (عبقريتهم) فسّرت «جنيف1 » أنه انتقائي ومهمته فقط مكافأة الإرهاب بدل مكافحته وتسليم السلطة ونقلها بما يسمى «هيئة حكم انتقالية» وكفى السعودية والإرهابيين شر القتال, لكن لمن لايعلم ويريد أن يتعلم في فن الشرح والتفسير والتفاوض فإن سورية لم تحضر «جنيف1» وتحفظت على الكثير من بيانه والأهم أن «جنيف 1» كان محكوماً ببيانه منذ أكثر من سنة ونصف السنة بأسباب ووقائع ونتائج فالأسباب بقيت وتوضحت فالإرهاب الذي كان يقال عنه «ثورة» كشّر عن أنيابه وأعلن ولاءه لتنظيم القاعدة الإرهابي وعرّف أبناءه وبناته من «داعش» إلى «جبهة النصرة» و«الجبهة الإسلامية» إلى كل أفراد العائلة الوهابية الإرهابية التي وصلت إلى 1253 مسمى وتنظيماً وماكان يُقال عن إنه «وقف العنف» يجب أن يقال له وقف الإرهاب بكل منظومته فكراً ومالاً وسلاحاً ومرتزقة وأفراداً وأنظمة, وأما الواقع الميداني منذ عام ونصف العام فقد كان الإرهاب جيشاً مدعوماً بكل الأسلحة الفتاكة وعشرات الجنسيات من المرتزقة والآن بعد إنجازات الجيش العربي السوري وتحديداً في عام 2013 من القصير إلى الخالدية وغزالة والعتيبة والسبينة وخناصر والسفيرة والقلمون والقائمة تطول فقد تمت إصابة مشروع الإرهاب بنكبة عملياتية بشرية وقيادية وتسليحية وهو أعجز من تحقيق أي إنجاز.. وفي سياق الواقع فقد كان السياق الزمني «لجنيف1» في ظل صعود المشروع الإخواني في مصر ودعمه اللامحدود في سورية وتحالفه مع المشروع الوهابي والعثماني ودعم ذراعه العسكرية في سورية بما كان يسمى «الجيش الحر» والآن الواقع والمشهد يقولان إن انتصارات الجيش العربي السوري مدعومة بالصمود الأسطوري للشعب السوري قد أذرت بكل تلك العناصر فالإخوان تحولوا إلى مزابل التاريخ والشاهد حمدا قطر وتصدع أردوغان وفساده المركب سياسياً وأخلاقياً وإدارياً واهتزاز وتصدع الوهابية وتقويضها شعبياً ومادياً وتلاشي بعض أذرعها الإرهابية مثل «الجيش الحر» وتقطيع أوصالها وأذرعها الأخطبوطية وانكفاء العدوان الأمريكي والتهديد بالبوارج وتغير الموازين الداخلية والإقليمية بعد اتفاق إيران مع الدول الست وفشل حلف العدوان في تسويق أكاذيبه التي حاولت أن تسوق هذا الإرهاب على أنه «ثورة حرية وديمقراطية» وفشلها في تسويق ما سمي مجلس اسطنبول وبعده «ائتلاف الدوحة» على أنه «معارضة سياسية سورية»، إذاً هذه الوقائع تبدلت وبدلت كل الميادين والموازين وتالياً «جنيف1» و«جنيف2» يتشابهان في المعنى ويختلفان في التفسير والجوهر والمبنى.

ثانياً: الإرادة السورية لإنجاح المؤتمر

 

الموقف السوري ثابت وواضح وقوي وحريص على مكافحة الإرهاب كبند مفتاحي وإطلاق العملية السياسية بين السوريين ولكلٍ ما يمثل من قوة ميدانية وشعبية وما يتمثل من برامج وطنية سياسية تصب في مصلحة الوطن وتقنع الشعب السوري الذي لا يعلو صوت على صوته وهو صاحب القول الفصل في كل فعل قبل وخلال وبعد جنيف. وانطلاقاً من الحرص السوري على إنجاح المؤتمر قدّم وزير الخارجية السوري في موسكو قبل التوجه إلى جنيف مبادرة أمنية تبدأ من حلب ووافق من حيث المبدأ على تبادل المعتقلين والمخطوفين وفي اليوم الثاني للمؤتمر كبر على الصبيانية عندما تخلف «الائتلاف» عن الحضور متذرعاً بعدم جاهزيته، ووافق الوفد السوري على أن تبحث المسائل الإنسانية والأمنية كأولوية قبل مكافحة الإرهاب, وعدم تقديم منطقة صغيرة في حمص على باقي المناطق لسورية، علماً أن كل المناطق السورية أولوية بالنسبة للحكومة السورية ولا تتقدم منطقة على أخرى وهذا غير خاضع لأمزجة العصابات الإرهابية، فلا يمكن مثلاً أن تكون الحميدية وجورة الشياح والقرابيص المليئة بالإرهابيين أكثر أولوية من عدرا العمالية أو معلولا أو حلب، وهذا خاضع لحاجة المواطنين المحاصرين وليس من أجل إنقاذ العصابات الإرهابية، وهنا تكمن الفرصة لنجاح المؤتمر والوصول إلى قواسم مشتركة واختبار جدية الطرف الآخر وقدرته على اتخاذ قرار قبل الانتقال إلى الشأن السياسي لأن الشأن السياسي يجب أن يعكس قدرة وتمثيل كل طرف على المساهمة في البعد الإنساني والأمني ومكافحة الإرهاب والحرص على الشعب السوري.

ثالثاً: سيناريو الإفشال الأمريكي للمؤتمر

 

أصبح واضحاً العجز الأمريكي عن إنتاج معارضة مقنعة فبالرغم من مساعي فورد الأسطورية لم يستطع أن يجمّع إلا فتاتاً من «الائتلاف» الذي لايمثل حتى «الائتلاف» نفسه، ناهيك بأنه لايمثل المعارضة الوطنية ولا حتى جزءاً من الشعب السوري، وحتى بدا الاختلاف واضحاً في هذا الفتات بين من يجلس في الأمام والخلف وبين من يترأس الوفد في كل جلسة وبدأت الصراعات الجوهرية والصورية بين الجربا المنسحب وكيلو والمالح والعبدة وأغلبهم برسم الانسحاب ويعكس هذا الأمر عدة مسائل أهمها أن فورد هو الذي يقود وفد «الائتلاف» وهو يدرك تماماً أن الوزن النوعي الفردي والجمعي لهذا الوفد صفر وأن هذا الوفد غير قادر على صرف نفوذه الإعلامي في الميدان السوري ومن هنا كانت مساعي فورد الحثيثة قبل المؤتمر بمحاولة إشراك ما يسمى «الجبهة الإسلامية» في الوفد ولم ينجح، لذلك فالسيناريو المحتمل أن يتم طرح المسائل الإنسانية لكن بأنياب عسكرية أي ممرات محمية خارجة عن سيطرة الدولة السورية لضخ إكسير حياة للإرهابيين المحاصرين في بعض أحياء حمص قبل أن تصل إليهم عدوى المصالحات التي جرت في المعضمية وبرزة وغيرهما وطبعاً هذا مرفوض جملة وتفصيلاً من الحكومة السورية لأنه انتهاك للسيادة وتوطئة لتدخل عسكري ناهيك عن أن «الائتلاف» ليس قادراً على السيطرة على هذه العصابات الإرهابية ولجمها عن وقف الإرهاب ويراهن «الائتلاف» حسب معلوماته على أن المسلحين في أحياء حمص لاينتمون إلى «داعش» أو «جبهة النصرة» لكنه يحاول أن يثبت أنه «قادر على التأثير في الميدان» وتالياً يمكن أن يطرح العملية السياسية (والحكومة الانتقالية) على هذه الخلفية, أما مسألة ماكان يُقال إنه الإفراج عن الأسرى فهو في جوهره تبادل بين المعتقلين والمخطوفين وطبعاً لايشمل الـ 600 سعودي وأكثر منهم بعشرات المرات من الأجانب ولايشمل القتلة والمجرمين وقد يستطيع «الائتلاف» وداعموه وبعض ممن تبقى من عصاباته الإفراج عن المطرانين والراهبات والمخطوفين في تركيا أما من تبقى من عصابات الإرهابيين التي خطفت المئات من العسكريين والمدنيين فلا قدرة له على التأثير فيها وهذه مشكلة أخرى, إذاً على خلفية العجز بنقاط القوة التي يحاول «الائتلاف» وفورد طرحها سيتضح أنها نقاط ضعف وإدانة وستكرس العجز وتالياً سيذهب إلى ماتبقى من العملية السياسية خائر القوى ومفلساً نتيجة خوائه واصطدامه بصلابة وقوة و قانونية وواقعية الوفد السوري الرسمي هذا إذا وصل إلى الشأن السياسي ولم ينسحب أو يتصدع, ومجازاً إذا وصلنا إلى الشأن السياسي فهذا شأن سوري يشمل كل أطياف المعارضة والشعب السوري والحكومة السورية وفي دمشق وليس في جنيف لأن البدهي أن تشترك كل أطياف المعارضة والحكومة في الحوار ولكل من يمثل ويتمثل ولكلٍ حجمه الطبيعي وليس الافتراضي وهنا مجرد أن يتخيل فورد و«الائتلاف» هذا المشهد فلن يكملا, لهذا فمن المحتمل أن يعمل فورد على تنظيم «الانسحاب التكتيكي» متيمناً بما نفذته العصابات الإرهابية مراراً في الميدان, تحضيراً لـ«جنيف3» ولإعطاء فرصة أخرى وجولة أخرى لإنضاج عصابات إرهابية يجري ترويضها ودعمها وإعادة تفكيك وتركيب «ائتلاف» جديد يجري إعداده وتدريبه وعلفه وهنا نكون في مرحلة بين «ائتلاف» واعتلاف.

آخر الأخبار