مرابع آذار

أنيسة عبود:
بما أ ن الربيع الطلق قد أتى فلا بد للبرد أن يرحل مفسحاً المجال للزهور كي تتفتح وللأشجار أن تتبرعم.. فتتحسن الأحوال النفسية للمرء ويرغب بالذهاب إلى الطبيعة الغناء.. لكن السؤال إلى أين سنذهب للتمتع بالطبيعة التي تخلع ثوب الثلج والبرد ورائحة الحطب المحروق؟

سابقاً، كان هناك البساتين وكانت هناك الغوطة وضفاف الأنهار.. وأماكن كثيرة كانت محط التجمعات العائلية التي لا تكلف سوى بعض الحطب للشواء والشاي والأراكيل التي يتجمع حولها الأصحاب.. ولكن هل بقي غوطة؟ وهل ما تزال أشجار اللوز والمشمش تزهر وتنادي أهل الشام وأحبابها للتمتع بسحر الألوان وسحر النقاء والبهاء؟‏

هل ترك لنا الرصاص فسحة لنتجول بأمان في جنبات الغوطة وما أدراك ما الغوطة؟‏

أزهار وأطيار ومياه رقراقة تسلم على الناس وتمد لهم بساط المحبة والسلام.رائحة ورد ورائحة عطر وتآلف ووجوه تفيض بالبشر والأمل.. توزع التحية على الجيران الذين يفترشون ظلّ الأشجار ويشربون الشاي الثقيل.هكذا كانت الغوطة تستقبل أهل دمشق.. وهكذا كانت الهضاب والسهول تستقبل ناسها.. لم يشعر السوريون بالحرج ولا بالخوف من افتراش بساط الطبيعة.. ولا تلجلج صوت الأمهات عندما يغيب عن ناظرهن طفل مشاكس. الحياة ورد وربيع وتسامح واكتفاء، وآذار يدرج في مرابعها.‏

ولكن هاهي قوافل الاخضرار تأتي بعد ست سنوات من الدم كلمى حزينة.. وردها الأحمر ينز قهراً. وربيعها يبكي حرقة على الذين غمرهم التراب والعشب وصارت بيوتهم تحت الأرض إلى أبد الآبدين.‏

هاهو آذار يدرج في الطرقات وحيداً مكسور الخاطر مكسور الروح.. فما الذي جنيناه بعد ست سنوات؟‏

ما الذي بقي من الأمان والتراحم والورد والغوطة بعد ست سنوات.؟‏

ماذا بقي من حنين ومن أنين.. من رحل ومن ظلّ قابعاً في الألم؟ ولماذا يا ورد الربيع حدث الذي حدث؟‏

أتستحق الكراسي أن نقطع أشجار الزيتون وندفن تحتها أحبابنا؟‏

أيستحق ربيع الزيف الكاذب أن نبني الأسوار بيننا ونرفع الحواجز على أبواب مدننا الحبيبة؟‏

اشتقنا إلى الفرات وإلى الخابور.. اشتقنا لنزور إيبلا وجبل سمعان والمدن المنسية والقلاع الشامخة والحصون الراسخة كما كنا نفعل كل ربيع.. الآن ماذا حلّ بهذه الأوابد؟ ولمن ستحكي قصتها وكيف ستروي جراحها؟.,ماذا حلّ بزهر الفستق الحلبي وزهر الزيتون والليمون وأشجار البطم والبلوط؟ ماذا حلّ بنا؟ ألا يحق لنا أن نتساءل؟ ماذا حلّ ببلدنا بقناعاتنا بأخلاقنا بعد ست (آذارات) دامية وسندخل في آذار السابع؟‏

كيف سيكون هذا القادم الجديد؟ هل سيتفتح ورد السلام والتسامح؟ أم سيظل ورد الدم يغطي الحقول؟‏

هل ستتلاقى القلوب وتبني وطناً عريقاً بعد كل هذه الخرائب والفواجع التي خلفها الجهل والحقد؟ هل ستعود سيرانات الغوطة.. وقهوة الشط.. وشراديق الفرات؟‏

تعبنا من الدم؟ تعبنا من الحقد.. وتعبنا من الغربة والفرقة.. ألا تكفينا الأسعار الكاوية والرواتب الهزيلة وفراق الأحبة؟‏

تعبنا.. نحن السوريين.. والله تعبنا، جعنا ولبسنا العراء والشقاء وآن لنا أن نعترف بأن حريتهم السوداء لم تجلب لنا سوى البلاء والغربة. حطمت بلدنا وأرواحنا وقطعت الجسور بيننا وغيبت منجزات الثامن من آذار.. منجزات الثورة الحقيقية التي قام بها العمال والفلاحون والمستضعفون.. فماذا بقي من مبادئ وقيم الثامن من آذار؟‏

.. تعبنا.. هل نبدأ هذا – الآذار – هذا الربيع – بزراعة أشجار الأمل والنسيان فنعيد قيم وثورة – 8 – آذار فعلاً؟‏

.. تعالوا نبدأ.. تعالوا نبني البلد الذي سيبقى على الرغم من طغيان الزيف والمؤامرات .. البشر زائلون والوطن باق وحضارتنا باقية.ستبقى سوريا حرة أبية موحدة يدرج آذار في مرابعها فيزهر اللوز ويتفتح التسامح.ويعلو صرح الوطن.‏

(ليست الغربة أن تهاجر وتسافر.. الغربة أن لا تجد وطنك في قلبك).‏

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.