حبّذا الرّقة (1)

د. نضال الصالح

بينما فيصل يرفل بحرير المعرفة، ويمضي من كتاب إلى آخر، حتى يبلغ كتاب البلاذريّ “فتوح البلدان” ويقرأ: “بسم اللَّه الرَّحمَن الرحيم: هَذَا ما أعطى عيّاض بْن غنم أهل الرقة يوم دخلها أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم لا تخرب ولا تسكن.. شهد الله، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً”، حتى يستعيد ذلك اليوم الذي تسلل فيه تحت جنح الليل لينجو بنفسه من الموت المحتم الذي كان يتهدده منذ وجدت الرقة نفسها بين مخالب أولئك المسلحين الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة ويرطنون بعربية عوراء، وترفرف فوق سياراتهم، والمباني التي اغتصبوها، رايات سود.

كان فيصل اختار البقاء في الرقة عندما اختار والده، وأسرته كلها، مغادرتها إلى حلب، مدينتهم الأصل، عندما احتلّ مسلّحون قبل أولئك الجدد مبنى المحافظة، واختطفوا غير مسؤول فيها، لا لأنّه، فحسب، كان شُغف بالرقة عندما جاءها مع أسرته قبل ما يزيد على عشر سنوات، وكان دائماً يترنّم بقول شاعرها القديم ربيعة:

“حبّذا الرقّة داراً وبلد          بلدٌ ساكنُه ممّن تودّ

ما رأينا بلدةً تعدلها لا        ولا أخبرنا عنها أحدْ”

بل، أيضاً، لأنّ ظبية من ظباء الرقّة كانت قد ملكت قلبه، حتى لم يعد يعرف معنى للحياة بعيداً عنها، وحتى كان يحلو له، عندما يراها، التغنّي بذينك البيتين من رائية الشاعر الصنوبريّ الحلبيّ، ابن مدينته:

“وجديرٌ بصفوةِ العيشِ مَنْ كا            نت له الرَّقَّةُ المصونةُ دارا

غازلتنا غزلانُها عن عيونٍ      سلبتنا الأسماعَ والأبصارا

ما رأينا من قبلِ تلك ظباءً      أبرزتْ من جُيوبِها أقمارا”

ولم تكن مصادفة أن يكون اسم الظبية التي شُغف فيصل بها ظبية أيضاً، لكأنّ السماء نذرتها، منذ كانت في اللوح المحفوظ، لتكون واحدة من معجزات الله في بديع خلقه. وجه مدوّر تشفّ بشرته الحنطة عن قمر مكتمل، وعينان سبحان مَن أبدعهما رسماً، ومنح كوكبيهما لون العسل المصفّى، وخدّان أسيلان كأنّ الورد استعار رقّته منهما، وعنق كأنّ الكناية القديمة “بعيدة مهوى القرط” كانت تعنيه، بل تعنيه وحده، و… في الجامعة، في بهو كلية التربية، وما إنْ كان فيصل رأى ظبية أوّل مرة، حتى تلمّس بأصابع راعشة موضع القلب من جسده، وحتى وجد نفسه وهو يردّد سورة الإخلاص: “قلْ هو الله أحد، الله الصمد..”، ثمّ تقوده قدماه، من دون إرادة منه، إلى حيث تقف ظبية، ومن دون تحية أو سلام يدعوها إلى مقصف الكلية، ويكتفي بالقول: “فيصل”، وحتى، من دون إرادة من ظبية نفسها، تقول: “ظبية”، ثمّ وهما يتقابلان على طاولة واحدة، ويقسم أحدهما على الآخر أن يحضر القهوة بنفسه، وطوال ذلك اللقاء الذي لا يمكن لفيصل، ولا يمكن لظبية، أن ينسياه، كان كلٌ منهما يسأل نفسه: “كيف حدث هذا؟”، وكانا يعنيان ما الذي جعل أحدهما يسقط صريع هوى كأنّ عمره عمرهما معاً، بل لكأنّ التاريخ لم يعرف ما يشبهه، ولكأنّه كان على ابن حزم، وجعفر ابن أحمد السراج، وابن حجلة التلمسانيّ، والتجانيّ، وابن الجوزي، وسواهم ممّن ألّف في العشق، أن ينتظر، فيسمع بقصتهما، فيغني كتابه بحكايتهما الاستثناء.

يتبع…

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد