أردوغان يدور في الحلقة المفرغة

بسام هاشم :البعث

مازالت الأسئلة تطرح نفسها دائماً: ما جدوى وجود تركيا أردوغان على قائمة الدول الضامنة في مسار أستانا لوقف العمليات القتالية في سورية؟ وما هو حقيقة الدور – الأدوار – الذي يتنطّح له أتراك حزب العالة والتنمية على صعيد “حل” الأزمة السورية، خاصة وأن حكومة أنقرة تغرق تدريجياً في سلسلة أزمات، داخلية وخارجية، تعجز عن التعاطي معها بحد أدنى من الكفاءة الدبلوماسية أو السياسية وحتى الأخلاقية. لاشيء في سياسة أردوغان إلا المزيد من التخبّط وعدم الفهم والانجرار إلى الأسفل، وما من جديد إلا درجة أعلى من المكابرة الشخصية والتوهان في مغبة جنون عظمة باهظ التكاليف قد يقود المنطقة برمتها إلى حالة من هيجان قد لا تبقي ولا تذر!.

آخر ما في جعبة أردوغان كان التوغل بقواته مجدداً في عدة مناطق من الأراضي السورية، وخاصة في منطقة إعزاز وقرية جبرين واخترين شمال حلب، وكأن على الجيش التركي أن يدفع مجاناً ثمن تجارب فاشلة لا تجد من يُحاسب عليها، وكأن على عملية “درع الفرات” أن تتكرر عبثاً طالما أنه ليس هناك من يمتلك الشجاعة اللازمة لوضع خطوط واضحة بين النصر والهزيمة عسكرياً وسياسياً. والأنكى من ذلك أن هناك من لا يزال ينظر إلى تركيا كدولة “ضامنة” يمكن التعويل عليها لحل أزمة – أية أزمة! – سيما وأن استرجالات أردوغان التوسعية باتت تمتد لتصل قطر، بعد العراق وسورية، ولو أنها اقتصرت على أبعاد رمزية ترضي غرور وسذاجة أردوغان لا أكثر، وأنها استرجالات تقدّم نفسها كعنصر تأزيم وتعقيد إضافيين بدل أن تلعب دور الخافض للتوتر أو عامل التهدئة.

يحبط حاكم أنقرة، العاجز عن الخروج من جلده كبلطجي سابق في أحياء إسطنبول الفقيرة والمعدمة، رهانات بوتين الذي خمّن طويلاً أن بوسعه إعادة تأهيل أحد الخارجين عن المألوف، وعن القانون الدولي، إلى شخصية بنّاءة وإيجابية، تحت ضغط اعتبارات وتحديات أمنية وسياسية وضعت تركيا في مهب العواصف الاستراتيجية التي تضرب الشرق الأوسط وأوروبا والغرب كاملاً. ويتعامى الرئيس التركي، الذي تستبد به، في وقت واحد، الأوهام العفنة لعودة السلطنة وهذيانات عبادة الشخصية، والترويج الزائف لبناء ديموقراطية إخوانية “حديثة” على أسس تيوقراطية رجعية، عن حقيقة الدروس المستفادة من تجربة سبع سنوات من التعاطي الأحمق مع “ثورات الربيع العربي”، التي أراد أن يكون “مركز تحكّم وسيطرة” لها، فتحوّلت به إلى داعم للإرهاب التكفيري، ومدرّب لمجموعاته، ومزوّد لها بالأسلحة المحرمة دولياً. أضاع أردوغان كل الحدود الفاصلة بين رجل السياسة المسؤول المفترض تحلّيه بالمسؤولية وبين الداعية الشعبوي المنافق، القاتل بدم بارد في حقيقته، الذي يسترخص دماء الضحايا على مذبح “الرسالة” الملهمة التي أوكلتها له “العناية” الإلهية الأمريكية – التي لا تأتي، ولن تأتي، كما يبدو – في الشرق الأوسط.

هل لمثل هكذا متقلب ومراوغ أن يعترف به ضامناً؟ لقد انتظر أوباما طويلاً وعبثاً، وها هو يعلق أنظاره على شفاه ترامب مترقّباً نهوض “المعجزة” الإخوانية الأمريكية مرة أخرى، وسوف يواصل الانتظار والترقّب طالما أنه يرفض رؤية تركيا تنحدر ببطء إلى هاوية الضياع الاستراتيجي الذي يؤسس له ترامب عامداً متعمّداً في الشرق الأوسط. ولكن ما على أردوغان أن يدركه هو أن سورية اليوم في نهاية نفق الأزمة، وأنها في خانة المنتصرين، وأن ما يمكن أن نشهده من تطورات ومستجدات جانبية ميدانية – على شاكلة توغل القوات التركية شمال حلب – لا يعدو كونه هامشاً جديداً سرعان ما سيتلاشى في خضم الانجازات الرئيسية على مسرح المعركة الشاملة ضد “داعش” و”النصرة” وأخواتهما، ولن يسع أية تطورات من هذا النوع، مهما كانت مفاجئة وغير متوقعة، أن تخدم، أو تدعم، في المحصلة، أية طروحات أو اقتراحات حلول أمريكية، ذلك أن الديناميكية المركزية الدافعة للحل باتت، عملياً، بأيدي الجيش العربي السوري وقواه الرديفة وحلفائه على الأرض، شاء بعضهم أم أبى!.

ضربة أخرى مجانية سوف تسجّل في رصيد أخطاء أردوغان وحماقاته السياسية. ولكن الجديد هو أننا في نهاية مرحلة، بمعنى أن الأخطاء لن تشطب بتقادم الوقت، ولن تكون بلا عقاب، هذه المرة!.

 

آخر الأخبار