المعارضة السورية بين العمالة واللعب بالكشتبان

عبد المعين زريق :

عندما راقب السوريون شاشة الإخبارية السورية عصر ذات يوم في عام ٢٠١١ والتي كانت تنقل لهم مباشرة أول اجتماع معلن تحت الشمس لكيان جديد يتخلق اسمه «المعارضة السورية»، كنتُ مع كثيرين من السوريين أتمنى أن يكون هذا الاجتماع بداية لحقبة سورية جديدة تنطلق فيه سورية لعالم الفضاءات المفتوحة والتعددية الحزبية وحرية الرأي والصحافة، ولمرحلة سميتها وقتها؛ مرحلة فك القيود عن حناك السوريين ليبدؤوا بالإشارة إلى الأخطاء المجتمعية والسلطوية في سورية بكل جرأة ودون خوف.
سرعان ما اكتشفنا أن هذا المخلوق الذي يتشكل أمامنا، مخلوق مشوه، متخبط، متعلق بمشيمة نفطية غربية، ويتغذى بحبل سري فاسد، جنين من حمل سفاح، لا يعرف مصدره ومن والده الحقيقي، موصول بالسحت الحرام القادم من خارج الحدود وبالليالي السوداء والحمراء الدموية، رفض التحاور، ورفض مجرد وجود التلفزيون السوري للحضور، وبنى نظريته المراهقة الغبية التي ما زال الشعب السوري يدفع ثمنها حتى اليوم، وهي لا مجال للمشاركة أو للحوار ولابد من إسقاط النظام، وأن تحتل المعارضة مكانه في كراسي السلطة، شيء أشبه بالسيرك ومسرح العبث وعوالم كافكا والمضحك المبكي، ما زلنا نعيش فصوله حتى اليوم.
تمت محاولة احتواء سورية عبر انفتاح غربي أوسطي عبر الثلاثي الفرنسي القطري التركي، قدمت لسورية فيها إغراءات الانفتاح على أوروبا والشراكة المتوسطية، وتم إخراجها من محنة عنق الزجاجة التي وضُعت به بعد اتهامها باغتيال رفيق الحريري في عام ٢٠٠٥، وفشل إسقاط النظام السوري لأول مرة بمفاعيل خروج مُذل للجيش السوري يستتبعه انتفاضة ضد القيادة السورية الشابة «قليلة الخبرة»!
فشلت كل محاولات الاحتواء وظهر استعصاء نزع سورية من محورها بهذا الأسلوب، عندما رفضت دمشق التطبيع وظهرت خياراتها الإستراتيجية في أكثر من موقف وأكثر من صورة قبل ٢٠١٠، فكان لابد لكل الأطراف المعادية، الانقلاب على علاقاتها السابقة مع سورية، خاصة أولئك الذين بدوا كطرف بديل جاهز لكل الأنظمة العربية الحاكمة، وهم الإخوان المسلمين والدول الداعمة لهم تركيا وقطر، التي حصلت على ضمانات من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما للتغيير والسيطرة بالمشروع الإخواني المتصالح مع الغرب ومع «إسرائيل».
تتجلى العمالة في انكشاف الحالة الانكشارية لكثير من بقايا «الجيش السوري الحر» ومخلفات بعض الفصائل الشبيهة من «الثوار» السوريين بعد قبولها العمل المباشر تحت الإمرة التركية وسلطة البارنويا الأردوغانية، وقبولها العمل في الجنوب تحت الإمرة الصهيونية وتحت مرامي نيرانها وبدعم قصفها الجوي على المواقع السورية، والحالة الارتزاقية والانكشارية لما دعي مخلفات «المعارضة السورية المسلحة»، يجعل التعويل عليها من عقلاء الشعب السوري أمراً صعب المنال، ولن يكون مصيرها، ودون شرح طويل، إلا كمصير مرتزقة سعد حداد في جنوب لبنان، مهما اغترت بامتلاكها القدرات العسكرية واللوجستية ومهما استطاعت إخضاع مساحات جغرافية لسلطتها المستمدة من القوات المحتلة الغريبة الأميركية والصهيونية والتركية وغيرها، فستصيبها حتماً لعنة الشعوب الحية، وسينقّى الثوب السوري من دنس المرتزقة وانكشاريي البارنويا العصملية وثوار الزمن الأغبر ومفحوصي الناتو وعملاء الكيان الصهيوني، مهما طال الزمن ومهما غلت التضحيات فلا بقاء للجندرمة التركية ولا للانكشارية العصملية على الأرض السورية، والسوريون بمقاوماتهم القادمة حتماً قادرون على تنظيف بلادهم من الأغراب وشذاذ الآفاق وأصحاب الأحلام والأوهام المجنونة ومرتزقتهم والأيام سجال.
إن حالة التلطي والتخفي وراء العنف والإرهاب التي استخدمتها كل المعارضات الثورجية السورية بكل فصائلها للحصول على أكبر قدر من المكاسب الشعبوية، حتى تلك الفصائل الرومانسية والتنسيقية لحسن عبد العظيم وشركائه في بعض السفارات الغربية، والتي بررت كل العنف والفوضى والقتل بأنه رد فعل «جائز» أمام بطش عنف الدولة والنظام، وأنه يمكن بل يجب الرد عليها وبأسلحة، ما زالت تقول إنها غير كافية وتريد المزيد كمياً ونوعياً، هذه الفصائل أجرمت بحق سورية والسوريين عندما سوقت لهذا التفسير لسببين الأول: لأنها تناقض القانون الدولي، فللدول فقط الحق القانوني الحصري باستخدام القوة الباطشة لردع حركات الفوضى والتمرد ضد الأمن القومي للبلدان، وهذا قانون طبقته وتطبقه كل الدول في العالم.
الثاني: أنها أوجدت بذلك مبرراً «أخلاقياً» قذراً لتحويل المطالب المحقة التي اعترفت بها الدولة باكراً من مطالب «سلمية» قابلة للتحقق بأثمان مقبولة، مهما كلفت، إلى حركة عنف وتمرد، ثم حركات ارتزاق ثم وطأت سورية لكل حروب الكون القذرة.
اليوم لا شيء تقدمه المعارضة السورية سوى التحدث من الشاشات ذاتها، ومن الفنادق ذاتها، ومن الأماكن البعيدة ذاتها، فاتحة بازارات جديدة على الدم السوري، ترفع أصواتها بالشعارات المضللة الكبيرة وتلتف برؤوسها الشبيهة برؤوس الميدوزا تحوي مئات الأفعوانات والحيات الغليظة، تلوك فيها لحم السوريين وتطحن بأسنانها القاسية عظامهم ولا تشبع معدتها من أكوام جثثهم اليومية. فالسوريين قادرون أن يحاسبوا هؤلاء المتكسبين وثوار «الخارج» وجيفارات الزمن الرديء وأصحاب الأوهام من يساريي وماركسيي البترودولار وسفراء الرجل الأبيض وأصحاب الهوى الغربي والتوقيت الأميركي وتجار الدين وضلّال المجاهدين، وأن يدفعوا ثمن هذه الجريمة الشنعاء وهذه الخطيئة التاريخية.
لقد روجت مراكز بحثية أميركية بعض التقارير عن الثوار السوريين وطريقتهم المضللة مع مموليهم الدوليين والإقليميين بطريقة دعيت «اللعب بالكشتبان»، وتتمثل بحالة من الكذب والمبالغة بأعداد المسلحين المنضويين في بعض الكتائب التابعة لهم وأعداد الكتائب والألوية، وتغيير أسمائها المستمر، والدور العملياتي الذي تقوم به على أرض الميدان، والتضليل الكبير الذي يشوب كل ذلك واستشهدت بادعاء جمال معروف امتلاكه نحو أربعين ألف مسلح يشكلون نواة جديدة للجيش السوري قبل أن يتبخر بسهولة من ريف إدلب في مواجهات النفوذ مع النصرة.
وآخر طرائف المعارضة التي وصلتنا عبر مصادر مقربة وموثوقة في ألمانيا وبعض الدول الأوروبية وبالأدلة الدامغة أفادتنا وللسنة الثانية على التوالي ما سبق وأن ذكرناه قبل حدوثه: أن عروضاً سخية ومدهشة تقدم لبعض السوريين على شكل رحلة سياحية من المدن الأوروبية التي يسكنونها إلى مدينة باريس وبقيمة عشرين يورو فقط، يقومون خلالها بزيارة المعالم السياحية في باريس ويلتقطون الصور عند برج إيفل، وينامون في فنادق باريس ويتناولون وجبات طعام وشراب، والهدف الحقيقي للزيارة هو العمل ككومبارس حضروا مؤتمراً للمعارضة الإيرانية لإسقاط الدولة الإيرانية الذي عقد في باريس، وتخطب بهم رئيسة المعارضة الإيرانية «مريم رجوي» بحضور بعض المرتزقة الفلسطينيين والعراقيين والنفطيين مثل المطبع السعودي تركي الفيصل ومن السوريين جورج سيدا ونصر الحريري وميشيل كيلو وهكذا شخصيات محترقة في الوجدان العربي، وعلى هؤلاء الكومبارس الحضور والتهليل ورفع الأعلام الإيرانية أثناء الخطابات وتحمل الشعارات الثورية والتعابير الرنانة لأكثر من ثلاث ساعات، ويدعم هذا النشاط كل سنة بسخاء من الخليج العربي النفطي وتقوم قناة العربية بنقله مباشرة من باريس.
في سورية ومع حملات التصفية والتصفية المضادة التي تتبعها ميليشيات «الثورة» السورية، تتكشف الوجوه الطاغية للمتطرفين ويحدث الانزواء القسري والتحول الاضطراري لبقايا المعتدلين الثوريين، وتتلى منولوجات الندم والخطيئة لبعض «الثوار» الأوائل فيما تنقدح الأحقاد الطائفية والمذهبية، وتتجندل أرتال الضحايا على خلفية عبثية مذهبية أو طائفية وتبدأ «الثورة» مبكراً تأكل أولادها وفصائلها وكتائبها وجبهاتها المقاتلة وتمضغ بقايا معتدليها الواهمين وتطحن عظامهم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.